دمشق | يفترش الباعة ليلاً ونهاراً، ببسطاتهم، الرصيف العريض الممتد في منطقة البرامكة بالعاصمة السورية دمشق، ابتداءً من نهاية الجسر الوطني (جسر الرئيس) بمحاذاة «الاتحاد الوطني لطلبة سوريا» ومقهى الأرزوني، مروراً بالسور الخارجي لجامعة دمشق القديمة، وصولاً إلى التقاطع المروري أمام الوكالة السورية للأنباء «سانا» بلون مبناها الأزرق القبيح. ويستطيع عابر السبيل تقدير الوضع السوري الحالي من نوعية البضاعة المتناثرة على البسطات المتكدسة بعضها قرب بعض، والتي تترك طريق مرور ضيقاً للمشاة يتلوّى كالأفعى بينها.


عادةً ما تكون بضاعة البسطات الرائجة محكومة بالموسم؛ ففي الصيف تجد النظارات الشمسية والأحذية والملابس الصيفية والقبعات، وفي الشتاء سُتر الجلد وأقواس التدفئة للأذنين واللفحات والقبعات والجرابات الصوفية والأحذية الشتوية. ودائماً هناك مواسم غير متعلقة بالطقس تتغير فيها البضائع، حيث تجد لوازم المدارس عند افتتاحها، والورود الحمراء في أيام «الفلانتاين». ويحدث أن تسيطر لفترات، تقارب الأسابيع أحياناً، بضاعة متوافرة في السوق كالأدوات الكهربائية الرخيصة والمعلبات المهربة أحياناً، إضافة الى الكتب والصور، وكل ذلك بأسعار تكون عادة أرخص من سعر السوق، ويحتمل شراؤها الكثير من الجدل والمساومات و«الحلفان».
وفي هذه الأيام السورية، تدخل دمشق بأسواقها حالة فوضى مثلما هي حال البلاد كلها. فالسلطة المركزية تعطي الأولوية لحفظ الأمن وملاحقة معارضيها، مع تحويل جميع الفاعليات العاملة على الأرض لضبط الشارع ومنع التظاهرات. كذلك فإن قوى الأمن منهكة بعد استنفار قارب عاماً، والتعب بادٍ على وجوه الجميع. وهذا المناخ من الفوضى يسمح للباعة باكتساح أحد أكثر الأرصفة اكتظاظاً في دمشق حتى ساعات متأخرة من الليل، بما أن الحركة هنا تقريباً لا تتوقف، ويصبح الرزق «على الله» وعلى الشطارة في اكتشاف حاجات الناس وتحقيق السبق التجاري في إدخالها قبل الآخرين. إلا أنّ للبضاعة غالباً موضوعاً شبه موحَّد، فبحكم الانقطاعات الطويلة للكهرباء، يكون للشواحن والبطاريات القابلة لإعادة الشحن والمناظير الليلية ولمبات التوفير والمحوِّلات والحمّايات الكهربائية مساحات كبيرة من كمّ البضاعة الموجودة. كذلك تنتشر الأدوات الكهربائية غير الموسمية، كماكينات الحلاقة والخلاطات وأجهزة الهواتف المحمولة، وأحياناً تتوافر بسطات صيانة لهذه الأجهزة، وأخرى لـ«الفلاش ميموري»، مع وجود بائع يضع خلفه لوحة كتب عليها «تجريب على الكومبيوتر»، وأمامه على كرسي معدني بسيط من دون «سنادة» جهاز «ماكنتوش» يمتد سلك شاحنه ليصل إلى عمود الإنارة المجاور. وبحكم «الشتاء الوطني»، فللقبعات والشالات الصوفية المحوكة بألوان العلم السوري حيِّزاً كبيراً أيضاً. وتنتشر على نحو ملحوظ الأحذية الرياضية ذات اللون الأبيض، ابتداءً بماركة «رين» المصنّعة محلياً، وليس انتهاءً بـ«ميريل» وإلى جانبها حكماً بذلات رياضية وثياب وأحذية عسكرية مموَّهة. وتكثر أيضاً في هذه الأيام الأحزمة والمشدّات للبطن والظهر، إلا أنّ ما يميّزها هو كونها غير قطنية، ذات لون أخضر زيتي أو أسود، ومصمَّمة لوضع المسدسات وإخفائها تحت الملابس. ويظهر ذلك جليّاً من نماذج موضوعة على كل بسطة مماثلة، وتتضمن مسدَّساً بلاستيكياً متموضعاً في مخبئه على سبيل التجريب وخلق الحاجة، وإيجاد نوع من توحيد الزي بالنسبة إلى متطوِّعي «الشبيحة» ومناصري النظام.
كذلك يغطّي الزاوية قرب نفق المشاة، وعلى ارتفاع وامتداد السور العالي المواجه لـ«اتحاد طلبة سوريا» وفرع جامعة دمشق لحزب البعث، معرض لصور الرئيس بشار الأسد بحلّته العسكرية وبذلاته الرسمية، وصور عفوية له وعبارات من خطبه وشعارات تمجيد له، وصور لشقيقه العقيد ماهر الأسد، وأخرى لشقيقهما الراحل باسل وللرئيس حافظ الأسد، وصور العائلة بأحجام متنوعة. كذلك تتوافر طبعاً صور للأمين العام لحزب الله حسن نصر الله وأعلام الحزب وراياته، وأعلام روسيا والصين، وصور للرؤساء ديمتري مدفيديف وفلاديمير بوتين وهوجينتاو، وصور مركَّبة لمجموعات من الوجوه تتضمّن عبارات وشعارات توافق مستجدات المرحلة.
وعلى بعد عدة أمتار، تتلاشى صور الزعماء بعدما تتداخل معها صور جورج وسوف ونجوى كرم وسارية السواس وغيرهم من الفنانين الشعبيين الموالين للنظام، حتى إنّ المشهد تغطّيه صور حسناوات فاتنات شبه عاريات. وعلى الحافة الرخامية للسور المعدني والمرتفعة بما يقارب متراً، وبعرض يسمح لها بأن تكون معرضاً لأشياء كثيرة، تجد السبحات وعلّاقات المفاتيح وشكلات الموبايلات والقلائد ذات الرموز الدينية والطائفية بألوان العلم السوري وبعبارات شديدة التأييد للنظام، حتى يمكن القول إن هذا الموقع هو «ركن فقراء المنحبّكجية» بامتياز. وغير بعيد عن هذه الزاوية، وعلى الحافة الرخامية نفسها، تبدأ الكتب المستعملة بالظهور. ويحدث أن تكون بسطات الكتب أيضاً جديدة ومغلّفة بالنايلون الشفاف، والكثير من الكتب هنا معاجم إنكليزية ـــ عربية والعكس أيضاً، وهي طبعات إيرانية رخيصة الثمن نسبياً لدور نشر شهيرة مثل أوكسفورد وكمبريدج وغيرها، طبعاً إضافة إلى كتب الدين التبسيطية ذات الطابع الدعوي، وتلك التي تحوي جميع المعارف بين دفاتها، مثل «ما تعرفه عن الموحّدين الدروز؟»، أو «الصابئة المندائيون حقيقة أم سراب»، أو «العلويون وفتاوى ابن تيمية». وقرب الكشك المقابل لكلية الشريعة، يتموضع قسم الخرائط، حيث تتوافر خرائط تجارية لسوريا والعالم العربي وللعالم. لكنّ ازدحاماً شبه دائم يكون بالقرب من خرائط المحافظات السورية، وتتصدر السور خرائط متبدلة لدمشق وريفها وإدلب ودرعا والسويداء وحماة وحمص. هناك، تسمع بائعاً يقول «هاي آخر خريطة لحمص اليوم... شو ما عاد في غير حمص؟ صرت بايعلها خرايط بلاوي». هكذا يعلّق آخر «يمكن رح نستدل عليها من الخريطة ونقول هون كانت تقع حمص»، ليستفزّ آخر بـ«وينك عيني، حمص ما بتوقع».




الإفراج عن غزّاوي ورفيقاتها


أفاد رئيس «المركز السوري للدراسات والأبحاث القانونية»، المحامي أنور البني، أمس، بأنه جرى الإفراج عن الناشطات السبع اللواتي اعتقلتهن الأجهزة الأمنية السورية ظهر يوم الخميس الماضي، من بينهن المدوّنة رزان غزاوي (الصورة) في مكتب الناشط والإعلامي مازن درويش في دمشق. غير أنّ البنّي كشف أن السلطات أبقت على اعتقال الناشطين. وأشار إلى أن الأجهزة الأمنية طلبت من الناشطات اللواتي أُفرج عنهنّ مراجعة الفرع يومياً لاستكمال التحقيقات معهن. والمفرج عنهنّ هنّ يارا بدر زوجة الناشط المعتقل مازن درويش، وهنادي زحلوط، والمدوّنة رزان غزاوي، وريتا ديوب، وميادة الخليل، وثناء زيتاني ومها السبلاني. وأوضح البني للوكالة أن التحقيقات تدور حول المصادر التي يستقي منها المركز المعلومات للقيام بعمله، إضافة إلى الجهات التي تموّله. والمركز الذي يرأسه درويش، هو المنظمة الوحيدة في سوريا المتخصصة في متابعة وسائل الإعلام والإنترنت، وله صفة عضو استشاري للمجلس الاقتصادي والاجتماعي في الأمم المتحدة. وقد تابع المركز نشاطاته رغم إغلاقه من قبل السلطة منذ أربع سنوات، من دون ترخيص.
(أ ف ب)