آخر ما كان ينقص غزة هو أزمة المياه التي بدأت تهدد حياة ما يقارب مليوني إنسان. ففيما يحتاج القطاع إلى 180 مليون متر مكعب من المياه سنوياً، تتوزع بين الاحتياجات الآدمية والزراعية. تعوض مياه الأمطار (مصدر المياه الوحيد) المخزون الجوفي بـ80 مليون متر مكعب من المياه، ما يعني أن مستوى العجز يفوق 100 مليون متر مكعب سنوياً، وفق أرقام «مصلحة مياه بلديات الساحل».
يقول نائب رئيس «مصلحة المياه» (مؤسسة شبه حكومية)، ماهر النجار، لـ«الأخبار» إن ما نسبته 97% من مجموع مياه الخزان الجوفي الموجودة حالياً لا يتوافق، أيضاً، مع معايير الجودة الفلسطينية، فضلاً عن العالمية، لأنه «ترتفع فيها نسبة الكلوريدات والنيترات على نحو متباين في محافظات القطاع». وبينت الدراسات، التي اطلعت عليها «الأخبار»، أن ما مجموعه 250 ألف متر مكعب من أصل 80 مليونا، من مياه الخزان الجوفي، صالحة للشرب بأمان.

3% فقط من مياه الخزان الجوفي المتناقصة صالحة للشرب الآمن

هذه القضية قديمة ولكن أحداً في غمرة الانشغال السياسي والأمني لم يعرها اهتماماً. ففي عام 2000، طرقت الجهات المعنية جدران الخزان، وخصوصاً أن وتيرة الأزمة تسارعت، إلى حد دفع معه كميات العجز في المياه آنذاك، «مصلحة مياه الساحل»، إلى توقيع اتفاقية تعاون مع شركة «ميكوروت» الإسرائيلية، التي بات بموجبها يحصل الغزيون سنوياً على 10 ملايين متر مكعب من المياه العذبة، لكن «الحل الجزئي» لم يتمكن إلا من تغطية جانب محدود من الاحتياجات المتزايدة.
بعد 16 عاماً، تتزايد الأسئلة عن المعيقات التي قوضت خطط الإنقاذ في ظل تعاقب أكثر من حكومة من تيارين سياسيين، وتوالي مشاريع دعم دولية كبيرة. يوضح نائب رئيس «سلطة المياه» في غزة (حكومية)، مازن البنا، بأنه لا يمكن تعويض «الاستهلاك الجائر لمياه المخزون الجوفي لمدن صارت كتلة خرسانية ضخمة بفعل التوسع العمراني، وسدت بذلك الطريق أمام مياه الأمطار مانعةً إياها من الوصول إلى المناطق الرملية».
لا يقف العمران وحده سداً في وجه المياه، فقد كشفت نتائج مشروع «برنامج إدارة الخزان الجوفي الساحلي»، الذي عملت عليه «سلطة المياه» بالتعاون مع «الوكالة الأميركية للتنمية الدولية (USAID)»، عن تطابق مناسيب المياه في طرفي الحدود مع القطاع، ما مثّل دلالة لما أظهرته دراسات لاحقة، أكدت أن إسرائيل تعرقل التدفق الطبيعي لكميات مياه الأمطار التي يسوقها السحاب الهاطل على جبال الخليل، جنوبي الضفة المحتلة، وهي أقرب مدينة عالية إلى غزة.
وكان الحديث عن أن إسرائيل تنشئ آباراً تعمل كـ«مصائد للمياه»، مخالفةً بذلك «بروتكول العلاقات الدولية»، الذي ينظم «عملية الاستفادة من الموارد الطبيعية بين الدول». يشرح خبير في قضايا المياه، تحفّظ على ذكر اسمه، أن «مصائد المياه» هي «آبار تعادل فعاليّة الواحد منها 45 بئراً من مثيلاتها في غزة، وحفرت منها إسرائيل قرابة ألف بئر على امتداد الحدود الشرقية للقطاع». وإضافة إلى ما تحدثه هذه «المصائد» من عجز، تكمن خطورتها في سرقة المياه التي يعّول عليها في تعويض الاستهلاك، ما يؤدي إلى دخول مياه البحر المالحة لتحل بديلاً عن مياه التعويض.
أمام ما سبق من معطيات يتوجه التفكير التقليدي إلى حل المشكلة عبر تحلية مياه البحر، لكن التكلفة العالية لبناء محطات التحلية تقوض إمكانية الاعتماد عليها كحل. برغم ذلك، يجري العمل منذ سنوات على إنجاز محطة تحلية بطاقة إنتاجية تصل إلى 13 مليون متر مكعب سنوياً، فيما تتضمن «الخطة الاستراتيجية» إنجاز محطة تحلية بطاقة إنتاجية تصل إلى 55 مليون متر مكعب. لكن محطة تحلية وحدها في مدينة دير البلح، وسط القطاع، رأت النور، وطاقتها الإنتاجية تصل إلى 600 متر مكعب يومياً، ويستفيد منها قرابة 17 ألف مواطن من مجمل عدد السكان، المليونين.
يقترح مازن البنا حلاً أكثر نجاعة لهذه الأزمة بالاستفادة مما تبقى من أراضي المحررات، على اعتبار أنه «يمكن استغلالها كمناطق تجميع وترشيح لمياه الأمطار التي ينتهي أكثر من 15 مليون متر مكعب منها سنوياً إلى البحر». ويمكن لمثل هذا الحل أن يوفر بديلاً استراتيجياً عن محطات تحلية مياه البحر، كما يرى.
عموماً، وجدت مشاريع محطات تحلية مياه الشرب التجارية رواجاً كبيراً. وبرغم الجدل الدائر حول جودة المياه المنتجة منها، لجهة نقائها البيولوجي ومستوى نظافة وتعقيم المعدات التي تنقل فيها إلى منازل المستهلكين، يبقى المثل الشعبي: «ريحة البر ولا عدمه» معياراً لمستوى رضى المواطنين.