سوريا | الأخذ بالدعوة إلى «تسليح الجيش السوري الحر»، التي أطلقها كل من المرشح الجمهوري السابق للرئاسة الأميركية جون ماكين، ومعه السيناتور ليندسي غراهام أخيراً، إضافة إلى دعوة مماثلة تختصر برسالة «صقور المحافظين» في مركز «مبادرة السياسة الخارجية» إلى الإدارة الأميركية، لن «يساعد الشعب السوري»، لا بل إنه يهدِّد بـ«زيادة الوضع سوءاً»، حتى إنّ الحرب الأهلية اللبنانية تبدو مجرد «نزهة» أمام ما قد يحدث في سوريا. هذا ما يراه الباحث في مجلة «مركز من أجل الأمن الأميركي الجديد ــ CNAS» مارك لينش، النادم على دعمه للتدخل في ليبيا.


وينطلق لينش، في تقريره الذي يقع في 13 صفحة، من الفكرة أن جزءاً كبيراً من الداعين إلى التدخل في سوريا هم «أشخاص يريدون توجيه صفعة لإيران، أو يريدون إسقاط النظام المكروه في دمشق». بناءً عليه، إذا كان الهدف هو مساعدة السوريين لإلحاق الضرر بحليفة إيران، فيتعيّن إذاً على الرد الدولي أن يركّز على آفاق «الهبوط الآمن» بعد سقوط الرئيس بشار الأسد، لا افتعال هذا «الإسقاط» عسكرياً. ويعرض التقرير جملة من المقترحات «الملموسة»، تشمل «تعبئة الضغط الدبلوماسي»، و«كسر الاستقطاب المتنامي بين المعسكرين السوريين (المؤيد والمناهض)»، بهدف «الدفع نحو انتقال سياسي» من نظام الأسد إلى خليفته.
وبعد تقويم الخيارات العسكرية «الموضوعة على الطاولة»، من منطقة الحظر الجوي مروراً بالضربات الجوية التكتيكية وإقامة المناطق الآمنة ونشر المراقبين المسلحين، وصولاً إلى تسليح المعارضة، يخلص لينش إلى أن «الاقتراحات الأربعة الأولى لن تكون فاعلة لوقف العنف، لا بل ستزيد الوضع تعقيداً لكونها تمهّد الطريق إلى مزيد من التصعيد».
أما الاقتراح الخامس، أي تسليح المعارضة، فإنه، برأي لينش، لن يحقّق «توازن القوى» بين الأسد ومعارضيه، بل إنه يُعَدّ دعوة صريحة للقوات الموالية للنظام إلى «التصعيد» في قمع الثورة، مشدِّداً على أن تسليح المعارضة لن يزيد الانشقاقات في الجيش السوري، مثلما يأمل دعاة الحرب، بل «سيرفع من وتيرة الاستقطاب الحاد داخل المجتمع السوري، كما سيزيد من تصميم القوات السورية».

الهبوط الآمن بلا حرب

في النصف الثاني من تقريره، يستعرض لينش «استراتيجيته السياسية والدبلوماسية» لزيادة الضغط على نظام الأسد، فيما تُهيَّأ الظروف من أجل انتقال سياسي» لما بعد الأسد، آخذاً على دعاة التدخل العسكري أنهم يتناسون أن «السوريين لا يزالون منقسمين بشدة حول الأزمة» بين مؤيد ومعارض. لا يزال هناك الكثير من مؤيدي النظام، سواء بدافع الخوف من المستقبل، أو بسبب التعصّب الطائفي أو الإيمان الحقيقي بهذا النظام، بسبب تصديقهم لخطاب النظام حول المؤامرات الأجنبية. انطلاقاً من هنا، يقول لينش إن دعوة الغرب إلى تسليح المعارضة «لن تنفع»، وخصوصاً أن أي نظام بعد الأسد «لن يكون مستقراً ما لم يستمل ولاء هذا الجزء من الشعب السوري». بناءً عليه، إن أي استراتيجيا سياسية «يجب أن تكون مصممةً بطريقة ينخرط فيها هؤلاء في خطة نقل السلطة». لا يترك لينش استراتيجيته فضفاضة، موضحاً أن ما سبق «لا يعني إشراك الأسد أو القبول بإصلاحاته السطحية، لأن وقت التفاوض مع مسؤولي الصف الأول في النظام السوري ولّى، وإن رفضوا التفاوض على الفور، يتعين إحالتهم على المحكمة الجنائية الدولية». لكنه في المقابل، يدعو إلى «منح الخيار لمسؤولي الصف الثاني ودونه في نظام الأسد»، إذ على هؤلاء أن «يدركوا أن المنفذ الباقي أمامهم هو إما الانشقاق أو المحاكمة». وفي ختام تقريره، يضع لينش «مسودة اتفاق سياسي يشمل ضمانات دولية، يتعين على المعارضة السورية أن تلتزمه، لطمأنة هذه العناصر الأساسية في النسيج السوري».
يوافق الباحث في «معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى»، الذي تأسّس بمبادرة من منظمة «أيباك»، جيفري وايت على خلاصات لينش، بشأن مخاطر التدخل العسكري في سوريا، تحديداً لجهة «قدرة النظام السوري على الرد»، ونظراً إلى «طبيعة المعارضة المنقسمة»، و«المخاوف من صعود النفوذ السلفي»، لكنه مع ذلك يروّج لما يسمّيه «التدخل غير المباشر».
وفي تقرير بعنوان «صياغة رد فاعل للأزمة» السورية، شرح الباحث في «معهد واشنطن» ما يعنيه بـ«التدخل غير المباشر»، وهو «تقديم المعونة السياسية وكذلك العسكرية لخصوم النظام، المسلّحين منهم وغير المسلّحين»، سواء بشكل «مفضوح أو سرّي». كل ذلك، لـ«تمكين المعارضة السورية من المقاومة وعرقلة العمليات العسكرية التي يشنّها النظام وإضعاف قدرته على القتال وكبح قدرة الدولة على العمل».

تدخل غير مباشر.. بنكهة الحرب

من قرأ قليلاً في التاريخ، يدرك أن تلك هي الوصفة التقليدية التي تستخدمها واشنطن، منذ الأزل، لزعزعة استقرار الأنظمة «غير المنصاعة» في باحتها الخلفية في أميركا الجنوبية. ومن لم يقرأ التاريخ، فإن وايت يتكفّل به، شارحاً في تقريره أن أساليب التدخل غير المباشر «تشمل المقاومة المسلّحة والتخريب والحرب السياسية والمقاومة المدنية». هي أساليب رأى وايت أن السوريين لجأوا إليها بالفعل، لكن «ينقصها التنسيق والتنظيم والدعم الجيد». وهنا، يأتي دور الولايات المتحدة وغيرها من الدول، بحسب الخطة التي يرسمها وايت. يعرض الرجل في تقريره نقاط قوة النظام السوري، وهي: تصميم الدائرة المحيطة به، وولاء الأقليات العلوية والدرزية والمسيحية، ودعم قطاع الاقتصاد، وإحكام سيطرته على القوات المسلحة، وقدرته على القيام بعمليات عسكرية واسعة، والبنية التحتية اللوجيستية التي تدعم قواته، والتنسيق الفاعل مع قواته. ويضيف أن «ضرب كل واحدة من هذه العناصر من شأنه أن يؤدّي إلى توهن قوة النظام السوري»، وذلك بمساعدة من الولايات المتحدة ومجموعة «أصدقاء سوريا» التي تنعقد يوم غد في تونس.
ويستدرك التقرير أن لدى هذا النظام نقاط ضعف أيضاً، وهي مناهضة الغالبية السنية له، والخطوط الشائكة في الجيش بين العلويين والسنّة، والاتساع الجغرافي لنطاق المعارضة المسلحة وغير المسلحة، وطبيعة المعارضة غير المركزية، وهشاشة خطوط الاتصالات التي يمكن ضربها عبر الهجمات والتخريب والمقاومة الشعبية. هنا أيضاً، بالإمكان الاستفادة من كل نقطة على حدة، لإضعاف النظام، وفق وايت دائماً.
ثم ينتقل إلى الحديث عن طرق «تعزيز المقاومة» السورية ضد النظام، وهي تشمل «تأسيس قوات قتالية فاعلة» تزوّدها الولايات المتحدة وغيرها بالأسلحة، شرط تدريب «مقاتلي المقاومة» وتقديم المشورة والدعم الاستخباري لهم، وكذلك تنسيق العمليات على المستوى المحلي. الطريقة الثانية تشمل «بناء القدرات المعززة لشن عمليات التخريب»، بحيث تستهدف هذه العمليات قدرات النظام العسكرية والأمنية والاقتصادية وحتى الشخصية (لمناصري النظام)، فيما تنطوي الطريقة الثالثة على «تقديم الدعم للحرب السياسية» التي ستشنّها «المقاومة» ضد النظام، بينما تشمل الطريقة الرابعة «بناء مقاومة مدنية أكثر فاعلية»، تتجاوز الآفاق التي تنشط فيها حالياً، والتي تنحصر في «التظاهرات والظهور الإعلامي»، وذلك لتشمل «العصيان المدني والإضراب العام وتوسيع رقعة التظاهرات».