دمشق | مع بداية يوم غد تفتح مراكز الاستفتاء التي حددتها وزارة الداخلية السورية أبوابها للمواطنين للإدلاء برأيهم في الدستور الجديد. في شوارع دمشق وحلب واللاذقية، نشط عشرات المتطوعين لتوزيع نسخ من الدستور على المارة بهدف الاطلاع عليه، فيما غاب تماماً أي نقاش للمشروع في حمص وحماة وإدلب ودرعا وعدد من مناطق ريف دمشق، حيث لا تزال العمليات الأمنية مستمرة. وسائل الإعلام السورية، أعلنت حال الاستنفار، وتنشط بنشر بعض المواد من المشروع وتستضيف أعضاءً من لجنة صياغة الدستور. ووضعت لافتات ولوحات إعلانية في جميع أنحاء العاصمة. وقال وزير الإعلام السوري، عدنان محمود، «إنها المرة الأولى التي تكتفي فيها الرسائل بدعوة المواطنين إلى التوجه إلى صناديق الاقتراع من دون حثهم على التصويت لمصلحة الدستور».


ومن أبرز مواد الدستور الجديد إعلان «التعددية السياسية» لتحل مكان المادة الثامنة التي تشدد على دور حزب البعث «القائد في الدولة والمجتمع». ولا يشير الدستور الجديد إلى الاشتراكية، لكنه يقضي في المادة الستين منه بأن «يكون نصف النواب من العمال والفلاحين». من جهة أخرى، يحتفظ رئيس الدولة بصلاحيات واسعة بما أنه يختار رئيس الحكومة والوزراء ويمكنه في بعض الحالات رفض قوانين. وتنص المادة 88 على أن الرئيس لا يمكن أن ينتخب لأكثر من ولايتين، كل منها من سبع سنوات. لكن المادة 155 توضح أن هذه المواد لا تنطبق على الرئيس الحالي إلا اعتباراً من الانتخابات الرئاسية المقبلة التي يفترض أن تجرى في 2014، ما يسمح لبشار الأسد نظرياً بالبقاء في السلطة 16 سنة أخرى.
ويثير إبقاء المادة الثالثة التي تنص على أن دين رئيس الدولة هو الإسلام وأن الفقه الإسلامي مصدر رئيسي للتشريع، جدلاً، وخصوصاً من الأحزاب العلمانية والأقليات الدينية القريبة عموماً من السلطة. لماذا هذا الاعتراض على المادة الثالثة؟ الجواب في الباب الثاني «الحقوق والحريات وسيادة القانون»، الفصل الأول في المادة الثالثة والثلاثين التي تنص على أن المواطنة مبدأ أساسي ينطوي على حقوق وواجبات يتمتع بها كل مواطن ويمارسها وفق القانون. والمواطنون متساوون في الحقوق والواجبات، لا تمييز بينهم في ذلك بسبب الجنس أو الأصل أو اللغة أو الدين أو العقيدة. كذلك تكفل الدولة مبدأ تكافؤ الفرص بين المواطنين.
بعض المعارضين للدستور يرفضون التركيز فقط على المادة الثالثة، فهناك الكثير من المواد الأخرى التي يجب إعادة النظر فيها؛ فالمادة الـ60 على سبيل المثال تنص على أن يكون نصف أعضاء مجلس الشعب من العمال والفلاحين، وهذا ما يراه الكثيرون مخالفاً لمبدأ المساواة بين المواطنين، وإن كان يجب أن يكون نصف المجتمع من العمال والفلاحين فلماذا لا يكون نصف أعضاء المجلس هم من النساء ما دمن يمثّلن نصف المجتمع.
ومن الممكن القول إن الاستفتاء على الدستور أعاد خلط الصفوف في الشارع السوري المنقسم أصلاً، لتتباين الآراء بين مؤيد بالمطلق للدستور وآخر متحفظ عليه، لكنه حسم أمره بالتصويت بنعم «لضرورات المرحلة»، بحسب قوله، وآخرون حسموا قرارهم هم أيضاً بالتصويت بلا، فيما ذهب المعارضون لمقاطعة التصويت، وحجتهم أن لا معنى للنقاش به في ظل القمع الأمني المشتد.
هكذا يتوقع المعارض البارز حسين العودات أن لا يذهب أغلب أبناء سوريا للتصويت على الدستور، ومن سيدلون بآرائهم هم قلة قليلة سيصورهم الإعلام الرسمي على أنهم غالبية ساحقة، وهذا الدستور، بحسب رأي العودات، صاغته لجنة معيَّنة من السلطة، وغير منتخبة من الشعب، ما يعني أنها تمثل فئة دون غيرها، أضف إلى ذلك أنّ من الطبيعي أن تعطى مدة زمنية كافية للناس للاطلاع عليه ومناقشته، وليس بهذه السرعة، مشيراً إلى أن هذا الدستور مفصَّل لمصلحة رئيس معين ونظام معين، ويحصر كل الصلاحيات بيد الرئيس؛ فهو القائد العام للقوات المسلحة وبيده تأليف الحكومات وتسمية المسؤولين، فيما لا أثر للتعددية السياسية، على حد قوله.
في المقابل، يحسم المنسق العام لهيئة التنسيق المعارضة، حسن عبد العظيم، النقاش بأن الوقت غير ملائم للنقاش بشأن الدستور. ويعلق قائلاً: «في ظل غياب المعارضة وممثليها وسيطرة أجواء القتل المتواصلة، ليس هناك استعداد لمناقشة الدستور أو الاستفتاء عليه، فالأولوية لوقف العنف والسماح بالتظاهر وإطلاق سراح المعتقلين، ومن ثم مؤتمر وطني يمهد لمرحلة انتقالية ودستور جديد وقانون أحزاب وانتخابات وجمعيات وآليات تحول ديموقراطي كامل».
رأي آخر يطرحه الكاتب والسيناريست فؤاد حميرة عندما يقرر أنه لن يذهب للتصويت؛ «لأنه سيمرر في النهاية، سواء وافقنا عليه أو لا. فقد اعتدنا ديموقراطية هذا النظام، وبتنا نعرف كيف يمارسها قسراً».
وإذا كان خيار البعض هو مقاطعة الاستفتاء، فإن فئات أخرى في البلاد قررت النزول إلى مراكز التصويت وإعطاء رأيها، سواء أكان الجواب بالقبول أم بالرفض، ولكل مبرراته. هكذا تلفت رئيسة حزب الشباب الوطني للعدالة والتنمية، بروين إبراهيم، إلى أن الدستور خطوة لنسيان مرحلة ماضية ومحاولة للخروج من زمن الحزب الواحد، «لكن ثمة علامات استفهام كثيرة كالسرعة في صياغته واختلاف آلية طرحه وبعض النقاط السلبية، كمبدأ الفصل بين السلطات وآلية اختيار الحكومة من الأحزاب ذات الأغلبية، وكذلك المقاربة الضعيفة لمسألة الأقليات ووجوب حصول المرشح لرئاسة الجمهورية على دعم خمسة وثلاثين عضواً على الأقل، وهو أمر قد يكون صعباً للأحزاب والشخصيات». وتضيف: «نتيجة للظرف الحالي كان يجب أن تكون هذه النقاط أكثر وضوحاً، وهناك في الواقع جزء من الحزب ليس مع فكرة تحديد دين رئيس الدولة وضرورة ترسيخ مبدأ الفصل بين السلطات التشريعية والتنفيذية والإدارية. كذلك وقع الدستور في مطب كبير، هو حرمان المرأة حق الترشح للرئاسة، أضف إلى ذلك تعديل النصوص التي لا تتوافق مع الدستور خلال 3 سنوات، وهي مدة طويلة جداً والأمر نفسه ينسحب على آلية الاعتراض على الدستور».
أما المهندس غطفان حمود، أحد مؤسسي حزب «سوريا الوطن»، فيرى أن الحزب قد يتجه بالتصويت بلا، لكن القرار لم يتخذ بعد بصورة نهائية، «لكننا إن لاحظنا توجه الشعب نحو القبول بإيجاب، فقد نعدل عن رأينا؛ إذ إن نقاطاً عديدة لدينا معها خلاف جوهري كما هي الحال في القسم الجمهوري الذي ينص على العمل على العدالة الاجتماعية ووحدة الأمة العربية، وهو ما لسنا مقتنعين به لجهة فكرة الوحدة العربية، رغم يقيننا أن سوريا بالنهاية هي جزء من الوطن العربي، فضلاً عن مسألة المادة الثالثة التي تناقض مفهوم المواطنة».
وبين هذين الرأيين يبرز خيار آخر يتمثل بالتصويت بنعم لمصلحة الدستور رغم النقاط السلبية التي تشوب النص، بحسب رأي الناشط طارق عبد الله في حلب؛ إذ يشير عبد الله إلى أن «حال سوريا اليوم كالغريق الذي يتعلق بقشة، وهذه القشة هي مشروع الدستور، الذي أدرك تماماً كمية الأخطاء القانونية فيه، لكني قررت النزول والتصويت بنعم، فوضع البلاد لم يعد يحتمل أي تصعيد في ظل هستيريا العنف التي تضرب البلاد». أما المهندس وليد أيوب، المنتمي إلى حزب البعث العربي الاشتراكي، فيرى أنّ «من الضروري أن يتوجه الناس للتصويت، سواء كان القرار بالموافقة أو الرفض، ففي الحالتين سنعبّر عن رأينا ويعتقد أن عدداً كبيراً من البعثيين سيتجهون للتصويت ليعيد الحزب العريق ترتيب أوراقه، شأنه في ذلك شأن باقي أحزاب الجبهة الوطنية التقدمية». ويرى أيوب أن «الوقت قد حان لكي يثبت البعث قدرته على الكسب بصناديق الاقتراع، فمنجزات الحزب وعمله قادرة على ضمان استمرارية الحزب وتطبيق شعاراته بالوحدة والحرية والاشتراكية».