لم يخرج مؤتمر «أصدقاء سوريا»، الذي عقد في تونس أمس، بأكثر من الكلام المتفاوت الحماوة بين ممثلي «الأصدقاء»، الذين تقاطروا إلى العاصمة التونسية. كلام السقف العالي، الذي كان الخليجيون أبطاله، لم يخرج من قاعة المؤتمر إلى الورق، فجاء البيان الختامي عاماً، مع التلويح بسيف العقوبات، وهو ما أثار امتعاض وزير الخارجية السعودي، سعود الفيصل، الذي رأى أن الحل هو بتنحي الرئيس السوري «طوعاً أو بالقوة»، فيما جاء الاعتراف بالمجلس الوطني السوري مجتزءاً، ليكون ممثلاً لجزء من هذا الشعب الساعي «الى إحداث تغيير ديموقراطي سلمي».

ودعا «مؤتمر أصدقاء سوريا»، في بيانه الختامي، الى وقف كافة أعمال العنف «فوراً»، وفرض المزيد من العقوبات على النظام السوري. وجاء في البيان الختامي للمؤتمر «أكدت مجموعة الأصدقاء على الحاجة الماسة إلى وقف كافة أعمال العنف فوراً». والتزم المشاركون في المؤتمر بـ «اتخاذ الخطوات المناسبة لفرض القيود والعقوبات على النظام السوري وأعوانه».
وأضاف البيان إن المؤتمر يريد أن تكون العقوبات «رسالة واضحة» تجاه النظام السوري «بأنه لا يمكنه مستقبلاً الاستمرار في الاعتداء على مواطنيه دونما عقاب».
وتشمل الإجراءات العقابية التي يريدها المؤتمر «حظر السفر على أعضاء النظام وتجمبد أرصدتهم في الخارج ووقف شراء النفط والاستثمارات في سوريا، والتعاملات المالية معها، وخفض مستوى العلاقات الدبلوماسية»، كما تشمل العقوبات «منع وصول الأسلحة وما يتصل بها من عتاد الى النظام السوري، وبحث سبل الحد من قدرة النظام على الحصول على الوقود والتموينات الأخرى المستخدمة لأغراض عسكرية».
كذلك أعلن المؤتمر دعم المعارضة السورية و«أثنى على جهود المجلس الوطني السوري الرامية الى تكوين هيكل واسع وتمثيلي». وجاء في البيان أيضاً أن «مجموعة الأصدقاء تعترف بالمجلس الوطني السوري كممثل شرعي للسوريين الساعين الى إحداث تغيير ديموقراطي سلمي، واتفقت على تعزيز التزامها الفعلي للمعارضة السورية». وسجل المؤتمر «طلب جامعة الدول العربية، الذي تقدمت به الى مجلس الأمن قصد إصدار قرار بتشكيل قوة حفظ سلام عربية ـــــ أممية مشتركة بعد انتهاء اعمال العنف». واتفق المشاركون في المؤتمر على «مواصلة النقاشات بشأن السبل المناسبة لانتشار هذه القوات».
وفي المؤتمر الصحافي الذي أعقب المؤتمر، شدّد وزير الخارجية التونسي، رفيق عبد السلام، على أن «دولاً غربية وعربية ستعترف على الأرجح بالمجلس الوطني السوري المعارض ممثلاً شرعياً للشعب السوري في الاجتماع المقبل لمؤتمر أصدقاء سوريا»، المرتقب في تركيا بعد ثلاثة أسابيع، من دون تحديد موعد واضح له. وأضاف «في ما يتعلق بمسألة الاعتراف «نحن توقفنا في منتصف الطريق، وربما يكتمل هذا المسار في بلدان أخرى، ربما تركيا أو فرنسا».
عبد السلام أبدى تأييده لمطلب الجامعة العربية تشكيل قوة من دول عربية ومن الأمم المتحدة للمساعدة على إنهاء العنف في سوريا، الذي لم يرد في البيان الختامي إلا من باب «أخذ العلم»، وهو ما يؤشر إلى أن الفقرة كانت محل جدل بين المؤتمرين، وخصوصاً أن دول الخليج أرادت تمريرها في المؤتمر، غير أنها اصطدمت برفض بعض الحاضرين، وهو ما يفسر الامتعاض الذي أبداه وزير الخارجية السعودي، الذي خرج من المؤتمر، بعدما قال أمام المشاركين فيه إن الحل الوحيد للأزمة هو نقل السلطة «إما طوعاً أو كرهاً»، مشبّهاً نظام الرئيس بشار الأسد بسلطة احتلال.
وقال الفيصل «إن ما يحدث في سوريا مأساة خطيرة لا يمكن السكوت عنها، أو التهاون بشأنها، والنظام السوري فقد شرعيته وبات أشبه بسلطة احتلال، فلم يعد بإمكانه التذرع بالسيادة والقانون الدولي لمنع المجتمع الدولي من حماية شعبه، الذي يتعرض لمذابح يومية يندى لها الجبين، ولم يعد هناك من سبيل للخروج من الأزمة إلا بانتقال السلطة، إما طوعاً أو كرهاً».
كذلك رأى الفيصل أن البيان الختامي الذي سيصدر عن المؤتمر «لا يرقى لحجم المأساة، ولا يفي بما يجب علينا فعله في هذا الاجتماع». واضاف إن «حصر التركيز في كيفية إيصال المساعدات الإنسانية لا يكفي، وإلا كنا كمن يريد تسمين الفريسة قبل أن يستكمل الوحش الكاسر افتراسها. هل من الإنسانية أن نكتفي بتقديم الطعام والدواء والكساء للمدنيين، ثم نتركهم إلى مصيرهم المحتوم في مواجهة آلة عسكرية لا ترحم». وخلص الفيصل الى القول إن «بلادي ستكون في طليعة أي جهد دولي يحقق الغرض المطلوب، لكن لا يمكن لبلادي أن تشارك في أي عمل لا يؤدي إلى حماية الشعب السوري النبيل على نحو سريع وفعال».
وخلال اجتماع ثنائي مع وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون أبدى الفيصل ترحيبه بفكرة تسليح المعارضة، مشيرأ إلى أنها «فكرة ممتازة». وقال رداً على سؤال يتعلق بإمكان تسليح المعارضة «أعتقد أنها فكرة ممتازة»، مضيفاً «لأنهم بحاجة الى توفير الحماية لأنفسهم». غير أن كلينتون قالت إنها ستتحدث في وقت لاحق عن هذا الموضوع.
المحاولة الأميركية لاسترضاء السعودية لم تكن الوحيدة، فلحقها مسعى لاسترضاء رئيس المجلس الوطني برهان غليون، الذي خرج غاضباً من المؤتمر مع بقية الوفد السوري، بعدما أعرب عن خيبة أمله منه. كلينتون التقت غليون ورئيس الوزراء القطري حمد بن جاسم في اجتماع هامشي. وفي ختام الاجتماع، عقدت وزيرة الخارجية الأميركية مؤتمراً صحافياً شددت فيه على ضرورة أن يسعى المجتمع الدولي الى تغيير موقف الصين وروسيا المعارض لاي إجراء ضد سوريا. وقالت «علينا العمل على تغيير موقف الروس والصينيين». وأضافت «ينبغي أن يدركوا أنهم يقفون ليس في وجه تطلعات الشعب السوري فحسب، بل الربيع العربي برمته أيضاً».
وأضافت كلينتون إن الروس والصينيين «يقولون في الواقع للتونسيين والليبيين وغيرهم في المنطقة: لا نوافق على تمتعكم بالحق في إجراء انتخابات لاختيار قادتكم. أعتقد أن ذلك يجري عكس التاريخ، وليس موقفاً قابلاً للحياة». وقالت إنه كلما أسرع البلَدان في «دعم التحرك في مجلس الأمن، أسرعنا في الحصول على قرار يسمح باتخاذ اجراءات ندرك جميعاً أنه ينبغي اتخاذها». وتابعت «من المؤسف جداً رؤية عضوين دائمين في مجلس الأمن يستخدمان حقهما في النقض، عندما يتعرض الناس للقتل من نساء واطفال وشبان شجعان... إنه أمر شائن، وأتساءل الى جانب من يقفان؟ من الواضح أنهما لا يقفان الى جانب الشعب السوري».
وفي أول تعليق بعد المؤتمر، أعرب الرئيس الأميركي باراك اوباما الجمعة عن استعداده لاستخدام «كل الأدوات المتوافرة لمنع المجازر» في سوريا، مشيراً في الوقت نفسه إلى أن الوحدة الدولية التي تجلت في مؤتمر تونس حول سوريا «تشجعه». ودعا، امام الصحافيين، الى توجيه «رسالة واضحة» إلى الرئيس السوري بشار الأسد تأمره «بوقف قتل» المدنيين.
وقال أوباما «جميعنا عندما يرى الصور المروعة التي تأتي من سوريا ومن حمص في الآونة الأخيرة يدرك أنه من الضروري تماماً أن يوحد المجتمع الدولي صفوفه في توجيه رسالة واضحة إلى الرئيس الأسد، بأنه حان الوقت لانتقال (السلطة)». وأضاف «حان الوقت لوقف قتل المواطنين السوريين على يد حكومتهم».
وفيما لزمت دمشق الرسمية الصمت حول المؤتمر، وصف التلفزيون السوري اجتماع «أصدقاء سوريا» بأنه «أعداء سوريا»، و«أصدقاء الولايات المتحدة وإسرائيل».
(الأخبار)