الخرطوم | انفرجت أسارير مهند ح. لدى تلقّيه مكالمة هاتفية صباحية. كان المتصل خاله إبراهيم. أخبره أنه مدعو وأربعة من أصدقائه إلى قضاء عطلة رأس السنة في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا. لم يصدق مهند في البداية، وظنّ الأمر مجرد مزحة من خاله، رغم أن حالة الأخير المالية تجعل من الأمر ممكناً، حيث يمتلك إبراهيم محلاً لبيع قطع غيار السيارات في الخرطوم، إضافة إلى عمل إضافي آخر يساعده في تحريك رأس ماله، ألا وهو العمل في تجارة العملة الصعبة، وتحديداً الدولار الأميركي الذي بات منذ انفصال جنوب السودان تنطبق عليه صفة «الصعب» بلا منازع.


أجرى مهند اتصالاته برفقاء دربه ليأتوا إليه بجوازات السفر خاصتهم، ومن ثم يوصلها هو إلى قريبه. وكان أن اكتملت الإجراءات بأسرع مما يُتوقَّع، وقضوا في الزهرة الجميلة «أديس» أروع اللحظات ليعودوا إلى الخرطوم بعد ثلاثة أيام، شاكرين من منحهم تلك الأوقات الجميلة. لكن من يجب عليه شكر الآخر؟ فهم أحق بأن يُشكروا، إذ استخدمهم إبراهيم كأدوات لزيادة أرباحه التجارية، بعدما حقق مكاسب من تسفيرهم ما يقارب ضعف الذي صرفه.
فمنذ أن شهد سعر الدولار ارتفاعاً في السوق السوداء، ابتُكر نوع جديد من التجارة، أهم أدواتها البشر، حيث يُجعَلون في مجموعات قد تصل أحياناً إلى عشرين فرداً، وقد يضيق عدد أعضاء المجموعة ويتّسع بحسب حال التاجر المموّل للعملية وقدرته المالية على توفير كافة مستلزمات السفر والإقامة التي غالباً ما تكون ثلاثة أيام. ويروي التاجر عصام أحمد لـ«الأخبار» كيف أنه ينظّم عمليات تسفير لمجموعة من أقربائه إلى القاهرة، موضحاً أن المصرف المركزي يعطي المسافرين مبلغ ألف دولار ثمن تذكرة السفر الواحدة في صالة المغادرة بسعر رسمي هو 2.8 جنيه للدولار الواحد. ويضيف أنه يبيع الدولارات المستحصَل عليها من القنوات الرسمية في السوق السوداء بسعر 5،4 جنيهات للدولار الواحد. ويتضح أن التجارة الجديدة مربحة لممارسيها، ولا سيما أن سعر الصرف الأجنبي في السوق السوداء في حالة من التذبذب المستمر.
لكن أحدث حيل التجار اصطدمت أخيراً بمجموعة من العوائق. فنتيجة عدم الاستقرار في أسعار النقد، ارتفعت أسعار تذاكر السفر بواسطة شركات الطيران، وخصوصاً لدول الجوار، مصر وإثيوبيا، اللتين تمثلان القبلة الأولى لتجار العملة السودانيين. ولممارسة مزيد من التضييق على من تسميهم الحكومة المتلاعبين بسعر النقد الأجنبي، قرر البنك المركزي خفض القيمة المخصصة للمسافرين للدول العربية والأفريقية «إرتيريا، أثيوبيا، مصر»، التي تشهد حركة مكثفة للسياح السودانيين، لتصبح 500 دولار للتذكرة الواحدة.
كذلك أعلنت وزارة المال السودانية وضع ضوابط جديدة منعاً للتحايل بغرض الحصول على النقد الأجنبي، حيث ستحوَّل مبالغ العلاج للمرضى، عند طلب العلاج في الخارج، إلى حساب سفارة السودان في البلد المعني لتُدفَع إلى المستشفى الذي يتلقّى فيه المريض العلاج. أما بالنسبة إلى الذين يدرسون في الخارج، فستُحَوَّل المبالغ مباشرة إلى جامعاتهم، فيما أكد مسؤول حكومي لـ«الأخبار» أنه في حال استمرار تدهور الاقتصاد بالنظر إلى تعنّت حكومة الجنوب في وقف ضخ النفط، فإن الحكومة «ستعمل على تحرير سعر العملة في الأسواق».
من جهته، يشرح الشاب علاء الدين محمد، الذي يعمل في تجارة العملة، كيف أدت الإجراءات الحكومية المتّبعة منذ انفصال السودان إلى تجفيف حركة صغار تجار العملة الذين أضحوا يجدون صعوبة في الحصول على العملات الأجنبية من الصرافات، إلا من تلك التي يجدونها عند عودة المغتربين إلى البلاد. ويروي سعيد كيفية تحويله لما يحصل عليه من دولارات من أقربائه في خارج السودان إلى عملة محلية، إذ يتجه مباشرةً إلى «سنتر الخرطوم»، حيث يتوزع عدد من التجار الذين يقدمون خدمة تحويل العملة في الهواء الطلق. وقال محمد لـ«الأخبار»: «يلوّح لك شباب في كامل هندامهم وأناقتهم بإشارة تدلّ على مهمتم». وعن حجم الثقة المتوافرة بين البائع والمشتري، يقول محمد إنها متوافرة رغم تضييق أفراد الأمن الاقتصادي. غير أن حصافة التجار تجعلهم يميزون جيداً بين المشتري العادي وأفراد الأمن الذين يريدون أن يوقعوا بهم. أما في حال إلقاء القبض على أحد التجار، فالنتيجة ستكون مصادرة كل الأموال التي في حوزته، ومن ثم يعرض أمام القضاء ليفصل في قضيته.
وتأتي هذه التطورات في وقت يشهد فيه الجنيه السوداني منذ بداية العام الجاري تراجعاً حاداً أمام الدولار الأميركي، ما دعا الحكومة السودانية إلى اتخاذ حزمة من التدابير الصارمة الجديدة لإحكام سيطرتها على كل العملة الأجنبية المتوافرة في البلاد. وقد وصل سعر الدولار الواحد إلى 5 جنيهات في السوق السوداء، وذلك بعد نفي الحكومة تلقيها أي قروض مالية من دولة قطر بعد تسريب أنباء، نهاية الأسبوع الماضي، مفادها أن قطر منحت الحكومة مبلغ ملياري دولار ليشهد، إزاء تلك الشائعة، سعر الدولار انخفاضاً حاداً.
وفي مواجهة الانخفاض في سعر الجنيه أمام الدولار، تسعى الحكومة السودانية إلى البحث عن موارد مالية جديدة، بعدما جفّ النفط من أنابيب البترول الشمالية. ومن أبرز الحلول الإسعافية للخزينة المركزية، تعدين الذهب. فحسب مدير بنك السودان المركزي، محمد صابر حسن، يُعَدّ الذهب من أهم الموارد حالياً. وأكد أمام الحزب الحاكم في الخرطوم، قبل أيام، أنه جرى شراء ومصادرة 5 أطنان ذهب منذ بداية هذا العام، يقدر عائدها بـ250 مليون دولار. وأشار إلى أنه في حال استمرار الوضع على هذا المنوال، يمكن أن يحقق عائداً يبلغ 2.5 مليار دولار حتى نهاية العام.




السودان ينفي «مصادرة» نفط الجنوب


فيما تلقي تداعيات الخلافات النفطية بظلالها على اقتصاد دولتي السودان وجنوب السودان، نفت الخرطوم، أمس، الاتهامات الموجهة إليه بمصادرة نفط جنوب السودان، مشيرة إلى أن الدولة المستقلة حديثاً مسؤولة عن عدم إبرام اتفاق نفطي بين البلدين. ولفت وزير الخارجية السوداني علي أحمد كرتي (الصورة) إلى أن بلاده لم تصادر النفط، مشدداً على أن الجنوب استخدم منشآت السودان ومعداته وموانئه بدون أن يدفع شيئاً. وقال للصحافيين إن الاتحاد الأفريقي تدخل لحل النزاع النفطي. كذلك دعا شركة «سي. إن. بي. سي.» الصينية النفطية و«بتروناس» الماليزية والهند للمساعدة في الوساطة.
وفيما يتوقع استئناف المحادثات مطلع الشعر المقبل، يقول دبلوماسيون إن الصين، أكبر مستثمر في المنشآت النفطية في كلتا الدولتين، لديها أفضل فرصة في التوسط لإبرام اتفاق، على الرغم من أن بكين أرسلت مبعوثاً إلى الشمال والجنوب في كانون الأول للمساعدة على حل الخلافات من دون تحقيق أي نتيجة. وأعلنت جوبا أخيراً أنها تعتزم بناء خطّين لأنابيب النفط، أحدهما عبر كينيا والآخر عبر إثيوبيا وجيبوتي، فضلاً عن بناء مصافٍ محلية خلال فترة تتراوح بين 11 شهراً وثلاث سنوات.