الخرطوم | لم يمض شهر على الحبر الذي وقعت فيه الجارتان المتشاكستان، جوبا والخرطوم، مذكرة «عدم الاعتداء» بينهما، فضلاً عن تعهدهما عدم دعم الجماعات المتمردة التي يتهم كل طرف الآخر بدعمها وإيوائها على أراضيه، حتى أتت الأنباء عن عودة الاشتباكات في منطقة جنوب كردفان، بعد الهجوم الذي تبنته الجبهة الثورية على منطقة بحيرة الأبيض صبيحة الأحد الماضي، لتشير إلى أن البلدين باتا يمارسان ضغوطاً من نوع مختلف، وهما يدخلان مرحلة بالغة الحساسية من مفاوضات القضايا العالقة المرتقبة في السادس من الشهر المقبل.


فتحالف المعارضة المسلحة في شمال السودان، الذي ألّف الجبهة الثورية في تشرين الثاني الماضي، أدى دور البطولة في عملية الأحد، التي أعلن أنها بمثابة تدشين لحملة عسكرية واسعة تخوضها الجبهة لإسقاط الحكومة في الخرطوم، فيما تمسكت الحكومة السودانية باتهام الجيش الشعبي التابع لدولة جنوب السودان بتنفيذ العملية الهجومية، نافيةً في الوقت نفسه ما أعلنه المتمردون عن أن 150 جندياً سودانياً قتلوا في المعارك، أو سيطرة المتمردين على منطقة طروجي والاحمير الحدوديتين.
ويؤكد الكاتب الصحافي أحمد دقش أنه رغم الطابع العسكري البحت للعملية، إلاّ أن الهدف الأساسي لهجمات الجبهة الثورية في هذا التوقيت تحديداً لا يمكن فصله عن مساعي تعميق الأزمة الاقتصادية التي يمر بها السودان، وخصوصاً أن جبهات عسكرية أخرى لا تزال مشتعلة في دارفور والنيل الأزرق. ووفقاً لدقش «تنتظر الجبهة الثورية أن تؤدي الضغوط الاقتصادية إلى تأليب الشارع على الحكومة عندما تصل الأمور إلى سقف معين، وهذا ما ترى الجبهة أنه سيعزز مجهوداتها العسكرية بأخرى سياسية على مستوى الشارع».
أمام هذه الأوضاع، لم يتردد الرجل الثالث في الحكومة السودانية، الحاج آدم يوسف، الذي يشغل منصب نائب الرئيس السوداني في الحديث قبل فترة عن ضيق صدر الخرطوم مما تراه ممارسات مستفزة من جوبا، مشدداً على أنه «إذا دعا الداعي فجوبا ليست ببعيدة»، فيما ذهب المتحدث باسم الجيش السوداني، العقيد الصوارمي خالد سعد، قبل ثلاثة أيام، إلى توجيه أصابع الاتهام مباشرة إلى دولة جنوب السودان بالتورط في العملية الأخيرة. وأكد أن الجيش الشعبي، التابع للحركة الشعبية قطاع الشمال، لم يفك ارتباطه بالجيش الشعبي التابع لدولة جنوب السودان، ممثلاً في الكتيبتين العاشرة والتاسعة.
أما في جوبا، فإن حرص الدولة الوليدة على نفي أي تورط لها في العملية، وفقاً لما أكده وزير خارجية جنوب السودان نيال دينق والمتحدث باسم الجيش الشعبي لجنوب السودان الجنرال فيليب أغوير، قابله حديث أكثر صراحة لمعتمد محلية فاريانج الحدودية مع الشمال، عندما أعلن عقب اقتحام متمردي الجبهة الثورية بحيرة الأبيض «أن هذه الخطوة جاءت لمنع أي محاولة من السودان في المستقبل لغزو المنطقة الغنية بالنفط»، وسط مخاوف من أن تخرج التراشقات العسكرية والسياسية بين دولتي السودان وجنوب السودان عن السيطرة.