أعلنت السفارة الأميركية في بغداد، قبل بضعة أيام، أن الجيش العراقي تسلم دفعة جديدة، هي الخامسة، من دبابات «أبرامز» المتطورة ضمَّت 131 دبابة، مؤكدة أن هذه الصفقة الخاصة بالدبابات ستُستكمل قريباً. وزارة الدفاع العراقية أكدت خبر التسلّم، وأضافت أن القوات العراقية أتقنت استخدام الدبابات ومدرعات «بي أم بي» بكفاءة عالية. لكنّ نواباً في البرلمان استغربوا احتفاظ السفارة الأميركية بعدد آخر من دبابات هذه الصفقة، وطالبوا بالتقصّي عن أماكن وجودها ومعرفة أسباب هذا الإجراء الذي وصفه أحدهم بالغريب.


تأتي عملية تسليم الدبابات ضمن مخطط ضخم وبعيد المدى لتسليح الجيش العراقي بالأسلحة الأميركية الحديثة، خصوصاً أنه أصبح قائماً على التطوع والاحتراف وليس على أساس التجنيد الإجباري. أرقام كثيرة طرحت بشأن قيمة عقود التسليح يصل بعضها إلى عشرات المليارات، أما الرقم الرسمي الذي أعلنه المتحدث الرسمي باسم وزارة الدفاع اللواء محمد العسكري، فهو بحدود 13 مليار دولار. العسكري أوضح أنّ هذه العقود تتضمن تجهيز الجيش العراقي بالطائرات المقاتلة من نوع «أف 16» والمروحيات والدبابات والسفن الحربية، إضافة إلى الأسلحة الخفيفة.
وكان العراق قد قدّم طلباً لشراء 18 طائرة مقاتلة من طراز «أف 16» بقيمة مليارين ونصف المليار دولار، بما يعني أن ثمن الطائرة الواحدة يبلغ 150 مليون دولار، على أن تكون هذه الدفعة بداية لشراء 100 طائرة مقاتلة من الطراز نفسه.
لكنّ صفقات تسليح الجيش العراقي لم تمر بسلاسة وهدوء منذ أن بدأ الحديث عنها قبل بضع سنوات، فقد كان لها معارضون في الداخل والخارج. من جهتها، الزعامات الكردية العراقية أبدت تحفظاتها الشديدة على تسليح الجيش العراقي بهذه الأسلحة الحديثة، خشية أن تستعملها الحكومة الاتحادية ضدها مستقبلاً، مذكّرة بالتجربة المُرّة التي عاشتها مع الحكومات المركزية العراقية المتوالية. تلك الزعامات سرَّبت إلى بعض وسائل الإعلام أنها طلبت من الإدارة الأميركية أن تشترط على بغداد عدم السماح بتحليق طائراتها في سماء المناطق الكردية، ولكنَّ الطلب قوبل بالرفض عراقياً، وعلى لسان قائد القوة الجوية العراقية، الفريق الركن أنور أحمد أمين، حين قال «إن طائراتنا الحديثة ستنفذ طلعاتها في جميع الأجواء العراقية، بما فيها إقليم كردستان، فهو ضمن العراق الاتحادي وضمن الأجواء العراقية».
وإلى جبهة المعارضين لتسليح الجيش العراقي، انضم قبل فترة زعيما قائمة «العراقية» إياد علاوي ورافع العيساوي، في مقالة نشرتها صحيفة «نيويورك تايمز»، فيما تبرّأ القيادي الثالث في القائمة أسامة النجيفي من هذه المقالة علناً، وقال إن اسمه حُشر فيها من دون علمه.
في المقالة هذه رفض الرجلان تسليح الجيش العراقي خشية «أن تسقط تلك الأسلحة في يد طائفة واحدة تسيطر على الحكم»، والمقصود بهذا الكلام «طائفة التحالف السياسي الذي يقوده رئيس الوزراء نوري المالكي». لكنّ تحفظات هؤلاء السياسيين لم يكن لها تأثير مباشر وملحوظ على تلك الصفقات، ولم تخرج عن دائرة تسجيل المواقف لحسابات ودوافع سياسية وطائفية بحتة.
خارجياً، انفردت الكويت بمعارضة صفقات تسليح الجيش العراقي على خلفية مخاوفها من اجتياح جديد على شاكلة اجتياح نظام الرئيس السابق صدام حسين لأراضيها في حرب الخليج الثانية. المعارضة الكويتية الرسمية، كما قالت مصادر سياسية، برزت على أعلى المستويات السياسية، وأبلغت الأميركيين رفضها إبرام صفقة طائرات «أف 16» مع العراق، وحين لم تنجح في منع إتمام الصفقة، بادرت الكويت إلى مطالبة الجانب الأميركي بوثيقة ضمانات مكتوبة تؤكد أن تلك الأسلحة لن تستخدم ضدها مستقبلاً.
لم تقتصر معارضة تسليح الجيش العراقي على هذه الأطراف السياسية الداخلية والإقليمية، بل تعدّتها إلى حملة معارضة وانتقادات على مستوى الرأي العراقي العام. مراقبون مستقلون ردّوا هذه المعارضة إلى واقع الخدمات العامة البالغة السوء، وتدهور الأوضاع الصحية والمعيشيَّة، وتخلّف البنية التحتية، حتى أصبح توفير الكهرباء والماء الصالح للشرب معضلة كبرى لم تنجح الحكومة في التخفيف من وطأتها على المواطن في جميع مناطق البلاد، ربما باستثناء إقليم كردستان الذي وفّر الاكتفاء الذاتي من الكهرباء لسكانه.
بدورهم، حاول محللون وسياسيون التفريق بين وجود وعي جماهيري عام بضرورة بناء جيش عراقي محترف قادر على حماية البلاد والمساهمة في مواجهة التحديات الأمنية التي يذهب المواطنون الأبرياء ضحيتها، وبين النقد الموجه لعجز الحكومة عن حلِّ مشاكل الخدمات والواقع المعيشي السيّئ. نقد، كما يؤكد بعض المحللين، يستهدف سلّم أولويات الحكومة أكثر ممّا يعبّر عن الرفض الصريح لتسليح الجيش.
ثمة مخاوف مشروعة أخرى عبّرت عنها أوساط سياسية وقضائية، وأحاطت بهذه الصفقات التسليحية الضخمة، مبعثها حالات الفساد الكبيرة التي أحاطت بصفقات التسليح السابقة، وخصوصاً في فترة حكومة علاوي ووزير الدفاع حازم الشعلان الذي حوكم وأدين غيابياً بتهم فساد مالي بلغت وفق بعض الأرقام مليار وثلاثمئة ألف دولار سنة 2005.
ويضرب متخصصون في الشأن العسكري أمثلة على حالات الفساد التي سُجّلت وكُشف النقاب عنها، منها مثلاً عقد تسليح عقدته وزارة الشعلان بقيمة 25 مليون دولار، فيما كانت قيمته الحقيقية خمسة ملايين دولار لا غير. وفي التفاصيل التي نشرتها الصحيفة الإلكترونية الناطقة باسم حزب المؤتمر بزعامة أحمد الجلبي، يتبيّن من مفردات الصفقة أن سعر الطلقة الواحدة المشتراة بكميات كبيرة جداً بموجب العقد هو 16 سنتاً، فيما سعرها الحقيقي هو 4 سنتات. الصحافية ماري كولن، من صحيفة «صنداي تايمز»، قالت في تقرير مثير عن هذا الموضوع، نقلاً عن مصادر عراقية ودبلوماسية غربية، إن الشعلان «متهم بسرقة 800 مليون دولار نقداً من ميزانية وزارة الدفاع». هذا المبلغ هو جزء من مبلغ أكبر يقترب من تسعة مليارات دولار فُقِدَت من ميزانية العراق في سنوات الاحتلال الأولى.
في هذا السياق، تنقل «صنداي تايمز» عن القاضي راضي الراضي، رئيس مفوضية النزاهة السابق، التي حققت في الموضوع، قوله «إنَّ ما كان من مسؤولية الشعلان ووزارته قد يكون واحدة من أكبر عمليات السرقة في العالم».
من الأمثلة الأخرى على حالات الفساد في ملفات التسليح، والتي أصبحت موضع تندّر الشارع العراقي، كشفت الصحافة عن الحالات الآتية: أبرمت وزارة الدفاع صفقة لشراء أحدث أنواع البنادق الأميركية «أم بي 5»، التي تقدر قيمة القطعة الواحدة منها بـ3500 دولار، ولكن ما جرى استيراده كان نسخة رديئة مصرية الصنع منها تبلغ قيمتها 200 دولار للقطعة الواحدة. هناك أيضاً صفقة «شراء ناقلات جنود مدرعة باكستانية الصنع، تبين أنها قديمة إلى درجة أنها بالكاد تستطيع صدَّ طلقات الكلاشنيكوف فضلاً عن أن مقودها يقع إلى الجانب اليمين وليس اليسار! كذلك اشتملت المشتريات على شراء ذخائر وعتاد تبين لاحقاً أنها قديمة جداً إلى درجة أنّ الجنود الذين فتحوا صناديق الذخيرة الخاصة بها خافوا أنْ تنفجر بهم».
تجليات الفساد في ملفات التسليح العراقي لا تعني أن حكومة المالكي الحالية، أو التي سبقتها، بريئة من الفساد، حسبما قال محللون ومتابعون لهذا الموضوع عن كثب، «ولكن الفرصة لم تحن بعد مثلما يبدو لفتح الملفات والكشف عن فضائح فساد لن تقلّ فظاعة عن مثيلاتها في حكومتي علاوي وخَلَفِهِ الجعفري».
أكثر من هذا، شملت التدقيقات التي تقوم بها لجنة الأمن والدفاع في البرلمان صفقات التسليح التي أبرمها النظام السابق لفترة ما قبل الاحتلال. وقال النائب حاكم الزاملي «هناك صفقات أبرمت وحُوّلت مبالغها الى بعض الدول، ولكن الأسلحة لم تصل، ونحن ندقق ونراجع في هذا الموضوع».
وحتى تأليف حكومة أخرى تلي القائمة الآن، ستتكشف حقائق جديدة، وتعقد صفقات أضخم من سابقاتها، ولكن الخدمات السيّئة ستبقى، كما يعتقد المواطنون، سيّئة، والبنية التحتية الأسوأ ستبقى الأسوأ، ما سيجعل عبارة «الكهرباء ماكو» (بمعنى لا وجود لها) هي الأكثر استعمالاً وشعبية، حتى لتكاد تكون بحدِّ ذاتها شعاراً سياسياً عفوياً للعراقيين، مع أن بعض الباحثين يعدّها من بقايا مفردات اللغة الآرامية المبثوثة في اللهجة العراقية المعاصرة.




لا للسيارات المصفّحة


طلب رئيس البرلمان العراقي أسامة النجيفي (الصورة) من النواب، أمس، التخلي عن شراء سيارات مصفحة بعدما أثارت هذه المسألة انتقادات في الشارع العراقي ومن قبل قيادات دينية وسياسية. وقال النجيفي، في بيان، توجه فيه إلى النواب «رجائي منكم أن تتخلوا عن هذا الحق الدستوري ومناقلة أمواله لأبواب أكثر أهمية وحيوية للمجتمع والوطن». وأثار تخصيص مجلس النواب العراقي أخيراً مبلغ خمسين مليون دولار لشراء 350 سيارة مصفحة لنوابه، في اليوم الذي قتل وأصيب فيه العشرات، موجة انتقادات في البلاد. إلى ذلك، قتل ضابط شرطة برتبة نقيب واثنان من موظفي وزارة العدل في هجمات متفرقة في بغداد وغربها، فيما عثرت السلطات على أربع جثث لشباب من عائلة واحدة في شمال شرق العاصمة.
(أ ف ب)