القاهرة | بسرعة مدهشة، تراجع محمد حسان، القيادي السلفي، عن دعوته إلى الاستغناء عن المعونة الأميركية. كان التراجع متوقّعاً على أي حال. فالحكومة المصرية لم تصدر تصريحاً واحداً يتضمن تلويحاً بالاستغناء عنها، وكذا بالطبع المجلس الأعلى للقوات المسلحة الحاكم، إذ إن نظرة على مجالات إنفاق المعونة الأميركية المخصصة لمصر، والتي تعد ثاني أكبر معونة أميركية بعد تلك المخصصة لإسرائيل، تلخص السبب. ويشير تقرير موجه للعرض على أعضاء الكونغرس الأميركي العام الماضي بعنوان «مصر في اللحظة الانتقالية» إلى أنه منذ عام 1998 إلى 2011 أنفقت 7.5 مليارات دولار من المعونة الأميركية على الاقتصاد و16.8 ملياراً كمعونة عسكرية، التي لا تراقب من قبل البرلمان.

وهيمن منحنى تنازلي بصورة عامة على المعونة الاقتصادية عبر تلك السنوات، لكن المعونة العسكرية بقيت تقريباً على حالها سنوياً، عند الرقم 1.3 مليار دولار، باستثناء أعوام 2008، 2006، 2005، 2004، والتي شهدت انخفاض تلك المعونة على نحو هامشي للغاية.
وأرجع التقرير خفض المعونة الاقتصادية إلى الاتفاقية الموقعة في عام 1998 مع إسرائيل والتي تقضي بالخفض التدريجي للمعونة الاقتصادية ورفع المعونة العسكرية، على مدى عشر سنوات. وبالفعل، انخفضت المعونة الاقتصادية إلى مصر عبر تلك الفترة من 815 مليون دولار إلى 411 مليوناً في عام 2008، من دون أن تحصل مصر على زيادة في المعونة العسكرية.
كذلك توقفت المعونة في الفترة بين 1968 – 1971 واستؤنفت في العام التالي ولم تبدأ في التدفق بغزارة إلا اعتباراً من العام 1975. كما اتسع نطاق المعونات لتشمل معونات عسكرية الى جانب المعونات الاقتصادية من العام 1979. وقد تحولت منذ تلك السنة الى «هبات لا ترد»، إذ شهد عام 1972 طرد الرئيس أنور السادات الخبراء العسكريين السوفيات، بينما عام 1975 كان التالي على اتفاق فك الاشتباك مع إسرائيل، وعام 1979 طبعاً كان ذاك الذي شهد توقيع اتفاق كامب ديفيد للسلام.
أما ذاك القسم من تلك المعونة، الذي أثار كل هذا الجدل أخيراً على خلفية قضية التمويل الأجنبي للمجتمع المدني، وهو المخصص لما يسمّى «الديموقراطية والحوكمة» فقد انخفض هو الآخر تبعاً لانخفاض المعونة الاقتصادية ـــــ لكونه جزءاً منها ـــــ حتى إنه تراجع إلى 20 مليون دولار في عام 2009، في مقابل 50 مليون دولار في العام السابق. وارتفع مجدداً، لكن بخمسة ملايين دولار فقط في العام التالي 2010. وعمدت الإدارة الأميركية إلى التقليل من الدعم الموجّه للمنظمات غير الحكومية الأميركية في مصر لمصلحة تلك المصرية، ربما للتقليل من حدة التوتر في العلاقات بين البلدين وقتها على خلفية الجدل المتواصل حولها. لكن المفارقة هي في أن الأيام الأخيرة من عهد الرئيس المخلوع حسني مبارك كانت ستشهد إلغاء المعونة الاقتصادية برمّتها على أثر مقترحات الجمهوريين في الكونغرس بخفض الإنفاق العام بنحو 2.5 تريليون دولار على مدى عشر سنوات. وبالرغم من أن خفض الإنفاق لم يكن يتضمن بصورة عامة تقليص المساعدات الأميركية للعالم، إلا أن مصر كان استثناءً.
وفي مقابل التجاذب حول المعونة الاقتصادية، فإن المعونة العسكرية يختلف واقعها تماماً. ولا يبدو أن شيئاً يهدد استمرارها بطبيعة الحال. وبالرغم من الرفض الواضح من المؤسسة العسكرية للرقابة عليها من قبل البرلمان المصري، إلا أن تقرير الكونغرس نفسه يكشف بوضوح أن إنفاقها مراقب من قبل مانحيها تماماً. إذ توجه لـ«صفقات شراء (أسلحة جديدة) وتحديث تدريجي (للأسلحة القديمة)، وصفقات صيانة الأسلحة».