عمان | وجدت «جماعة الإخوان المسلمين»، في إقرار الحكومة الأردنية نظام الدوائر الانتخابية، قبل أيام، فرصة لبحث خيار المشاركة في الانتخابات البرلمانية. أمّا «الباب» لذلك، فهو ذراعها السياسية، «حزب جبهة العمل الإسلامي»، لكن الجماعة التي «ظلمها ذوو القربى» من أبنائها السابقين، وتلقت الضربات من الأجهزة الحكومية، لم تحسم قرارها بعد، علماً بأن العودة للمشاركة في الحياة السياسية هي «ملاذها الضريبي الآمن» من العواصف التي تهددها من كل ناحية.
برغم ذلك، تتزامن دراسة المشاركة في الانتخابات مع تدشين «المبادرة الأردنية للبناء» حزبها الجديد «زمزم»، في خروج جديد عن «الجماعة». وفي اجتماع الحزب الأول في العاصمة عمان، عرض منطلقاته الرئيسية، في مقدمتها تأكيد «التدرج في الإصلاح السياسي، وترسيخ دعائم الدولة المدنية».
الحزب الجديد المنشق عن «الأمّ»، هو التكتل الثاني الخارج عن عباءة الجماعة، بعدما أصدرت الأخيرة العام الماضي، قراراً بفصل المراقب العام الأسبق، عبد المجيد الذنيبات وتسعة قادة آخرين في التنظيم، بسبب إعلانهم تأسيس حزب جديد تحت اسم «جمعية جماعة الإخوان المسلمين».
«الرِدَّةَ» لم تنتهِ آنذاك عند حدود الجمعية الجديدة والجماعة الأم، بل انتقلت إلى القضاء، وذلك في محاولة من الجمعية للاستيلاء على أموال الجماعة (المنقولة وغير المنقولة)، باعتبارها «الوريث الشرعي» للأخيرة، والمسجلة رسمياً في سجلّات الدولة الأردنية.
بالعودة إلى «زمزم»، الذي يتزعمه القيادي الإخواني السابق ارحيل الغرايبة، حاول الحزب الجديد الظهور بصورة «معتدلة» و«متسامحة»، وذلك لدعوته شخصيات مسيحية إلى اجتماعه، إضافة إلى محاولة أعضائه تغيير لهجة الإخوانيين التقليديين أو من يطلق عليهم محلياً «الصقور»، وخصوصاً لجهة خطابهم مع وسائل الإعلام.
في اجتماع «زمزم» الأول، تقاطعت كلمات المشاركين المؤسسين بـ«التزام مشروعهم الدفع سياسياً نحو عبور آمن للمرحلة التي تمر بها البلاد والمنطقة، في وقت عجزت فيه قوى سياسية عن التكيف مع التغيرات»، في إشارة إلى الجماعة الأم، إضافة إلى تأكيدهم «إنضاج المشروع الوطني على قاعدة المواطنة والانتماء، والاستناد إلى الشرعية الوطنية، والإيمان بالدولة المدنية الديموقراطية الحديثة».
ومن دون المسّ بالنظام الملكي الهاشمي الذي «لا خلاف عليه» من وجهة نظر «زمزم»، رأى الغرايبة، أن إطلاق مشروع الحزب «يأتي في وقت تلوح فيه فرصة في الأفق لتأسيس حزب جديد يتجاوز حالة الخندقة الأيدولوجية والدينية والمذهبية». وأضاف في حفل إطلاق الحزب: «هذه مرحلة بناء الجدران الصلبة بين مكونات الأمة الواحدة، من خلال البحث عن مساحات التوافق وتعظيمها، وضرورة إيجاد سبل التعاون والمشاركة في عمليات البناء والتنمية، بعيداً عن منطق الإقصاء وسياسة الاستفراد».
ويسعى الحزب، وفقاً لقوله، إلى «نفي حالة التناقض بين الدين والوطنية، والعروبة والاسلام»، بوصفها أطراً «مكملة ومنسجمة»، مذكّراً بأن «الدولة الأردنية القوية المستقرة مصلحة لكل عربي ومسلم، وأن المشروع الوطني الأردني ليس متناقضاً مع أي مشروع عربي أو إسلامي في أي قطر».
من جهة أخرى، قال عضو المبادرة، عبدالله غوشة، إن «الجميع متفقون على أهمية الإطار الجامع الذي لا يضيق بالرأي المخالف»، مشدداً على «عدم التفريط بقضية القدس والسيادة الأردنية على المقدسات».
وسط الانشقاق الجديد، نقلت صحيفة «الرأي» (شبه حكومية) عن قيادي بارز في «الإخوان «قوله إن «الجهاز الأمني الخاص بقيادة الجماعة الأم (يقوده همام سعيد) هو المسيطر على مفاصل هذا التنظيم (غير المرخص)». القيادي الذي رفض الكشف عن اسمه أضاف للصحيفة أن «الجهاز الأمني غير المعلن عنه يتولى تعقب وجمع المعلومات للتنظيم، إضافة إلى العمل جنباً إلى جنب مع التنظيم السري داخل الجماعة غير المرخصة التي يمثّل غالبية الأعضاء فيها أعضاء في حزب جبهة العمل الاسلامي، كما يقوم هذا الجهاز بمد التنظيم السري للجماعة بالمعلومات»، لكن الأخيرة تنفي وجوده.
يأتي كل ذلك في وقت انغمست فيه الجماعة الأمّ بالإعداد لإجراء انتخاباتها الداخلية من أجل اختيار مجلس شورى ومراقب عام جديد في السابع من نيسان المقبل. وقال المتحدث الإعلامي باسم الجماعة، معاذ الخوالدة، إن «المكتب التنفيذي أبلغ شُعبه الـ39 في مختلف محافظات المملكة البدء بانتخاباتها الداخلية لاختيار ممثليهم لمجلس شورى الجماعة». ولفت الخوالدة إلى أن مجلس الشورى الجديد سيجتمع في نهاية نيسان لانتخاب المراقب العام للجماعة، كما سيقدم مقترحاً لتشكيلة المكتب التنفيذي الجديد المكوّن من تسعة أعضاء (مع المراقب) ليعرض على «الشورى».

أطلقت «المبادرة الأردنية للبناء» حزبها الجديد «زمزم» قبل أيام

وكان لافتاً إلغاء شرط دفع الاشتراكات للمشاركة في الانتخابات الداخلية للجماعة، ما يعني منح الفرصة لآلاف الأعضاء للتصويت بعدما كان سابقا لا يحق لهم إلا بشرط تسديد الاشتراكات.
لكن المفاجأة، أن وزارة الداخلية أخطرت «الإخوان» مساء أول من أمس، بقرارها منع إقامة الانتخابات الداخلية المزمع إجراؤها الشهر المقبل. ونقلت شخصيات إخوانية هذا النبأ على صفحاتها في مواقع التواصل الاجتماعي، كما نقلته وكالة «قدس برس»، قائلةً إن «محافظ العاصمة، خالد أبو زيد، أخطر الجماعة بمنع إقامة انتخاباتها الداخلية... معللاً ذلك بأن الجماعة لا تحمل ترخيصاً رسمياً في البلاد»، في إشارة إلى الترخيص لـ«جمعية جماعة الإخوان» بقيادة المراقب الأسبق، ذنيبات.
هذا الإجراء سيضيّق الخناق على همام سعيد ومن معه ويزيد تشرذمهم، وخصوصاً أن الجماعة الأم فقدت القدرة على الحشد من أجل الاحتجاج، بعدما خسرت دعم الأصدقاء قبل الأعداء.
وفيما تتصدر الحكومة الموقع الأقوى، يفقد الإسلاميون المبادرة، أو حتّى التلويح بورقة المقاطعة السياسية، ولا سيما أن أمام الحكومة أكثر من خيار بديل من أبناء الحركة الإسلامية يمكنها الاعتماد عليه.
هذا المشهد الإخواني «الدراماتيكي» يأتي متزامناً مع وضع الحكومة اللمسات الأخيرة على قانون الانتخاب الجديد، وقبل إجراء الانتخابات النيابية المرتقبة بقانون جديد تخلص من عقدة الصوت الواحد. فقد أقر مجلس الوزراء الأردني أخيراً مشروع نظام الدوائر الانتخابية لعام 2016، وفق ما أعلن وزير الدولة لشؤون الاعلام، محمد المومني.
المومني قال إن الانتخابات النيابية المقبلة بحسب القانون الجديد وتقسيمات الدوائر الجديدة ستكون «تاريخية»، لافتاً إلى أن حل مجلس النواب الحالي من صلاحيات الملك فقط. وفي مؤتمر صحافي بمشاركة وزير الشؤون السياسية والبرلمانية، خالد الكلالدة، أكّد الأخير أن المعايير التي حددت عدد المقاعد والدوائر هي «الجغرافيا، والتنمية الاقتصادية في المحافظة، وعدد السكان»، ما يعني أن من يحق لهم الاقتراع، هم الذين تجاوزوا الثامنة عشرة.
وبيّن الكلالدة، أيضا، أن الانتخابات المقبلة لا تشترط على الناخب تسجيل نفسه قبل الانتخاب من أجل المشاركة، وإنما يكفي حمله الهوية الشخصية، ما يعني أن احتمالية انخفاض نسب الاقتراع هذه المرة أعلى، لكن بالنسبة إلى عدد من يحق لهم الاقتراع لا إلى المسجلين، كما كان يحتسب في السابق.




الجماعة الأم تستنكر منع انتخاباتها الداخلية

ردّ المتحدث الإعلامي باسم «الإخوان المسلمين»، في الأردن، معاذ الخوالدة، على قرار منع الجماعة من إجراء الانتخابات الداخلية، بالقول إن «الإخوان التي تأسست منذ عام 1946 والمعروفة بمركزها القانوني المستقر منذ أكثر من ٧٠ عاماً كانت تجري انتخاباتها واستحقاقاتها الداخلية بانتظام دون تدخل من أحد كما هو معتاد».
وتساءل الخوالدة، عن دوافع الحكومة القاضية بمنع إجراء انتخابات مجلس الشورى المقبلة، قائلا: «هل تعيش البلاد في حالة أحكام عرفية غير معلنة... وهل هذا السلوك الرسمي يدل على تعددية سياسية ونهوض بواقع الحريات في البلاد؟».
واستنكر التصريحات الرسميّة الداعية إلى إنجاح الانتخابات النيابية المقبلة، في ظل «السلوك السياسي تجاه أكبر مكوّن سياسي ودعوي على ساحة الوطن»، في إشارة إلى الجماعة.
ودعا الخوالدة، الحكومة وأجهزتها التنفيذية، إلى التوقف عما سماها «حملة التضييق المنهجي»، مؤكداً أن الانتخابات الداخلية استحقاق يجري في وقته وهو «شأن داخلي تقرره مؤسسات الجماعة وفق قانونها الأساسي المعمول به منذ تأسيسها وترخيصها قبل سبعين عاماً».
(الأخبار)