القدس المحتلة | عاش مستوطنو القدس المحتلة، حالة من غياب الأمن في خلال الأشهر الستة الماضية، أي منذ انطلاق انتفاضة القدس من المدينة القديمة. العدو الذي دوماً اهتم بـ«نفسية» مستوطنيه، قرر اللطيف عنهم، وتحديداً الموجودين في المدينة القديمة، وذلك بإقامة مهرجان موسيقي يستمر لأربعة أيام تحت عنوان «أنغام في القديمة».
شهدت المدينة القديمة حالة من الصخب بدأت ليل أول من أمس، مع امتزاج الألحان الموسيقية المتنوعة بين الشرقية والغربية والإسرائيلية في فضاء المدينة. فتحولت الأماكن التي وزعت فيها الفرق الثلاث والعشرون إلى ساحات رقص، بعدما وُضعت 19 فرقة موسيقية في أرجاء بلدة القدس القديمة، كباب الخليل، ومغارة القطن، وحارة الشرف، والحيّ الأرمني، والحيّ المسيحي، من دون مراعاة حالة الحزن والحداد التي تعيشها المدينة بعد استشهاد عدد كبير من أبنائها واستمرار العدو في احتجاز جثامين 12 منهم.
قبل بداية المهرجان، وخلال التسويق له، أصرت الشركات الإسرائيلية وبلدية العدو المنظمة، على توجيه الحملة الدعائية إلى كل الجماهير، أكانوا يهوداً أم عرباً أم سياحاً. لكن ما قدمه القائمون على المهرجان لم يخاطب سوى المستوطنين على اختلاف أصولهم، الشرقية والغربية. فقد كان المغني يلبي طلبات المستمعين وفق أصولهم وجنسية الجمهور اليهودي الحاضر... «هل يوجد عراقيون أو يمنيون هنا؟ إذاً إليكم أغنية فوق النخل، وأغنية أم العباية».

تتزامن الإجراءات التهويدية مع «يوم الأرض» واستمرار الانتفاضة

استقطب المهرجان فئات عمرية مختلفة، وكان الشباب الأكثر حضوراً، خصوصاً أن البلدية تستهدفهم في رسالتها: «يستحق أن تعيش في القدس»، كما سمّت مهرجانها. وتدرك بلدية العدو أنه في خلال عام 2015 ارتفعت نسبة الهجرة العكسية من القدس لدى المستوطنين الشباب بسبب انعدام الأمان فيها، إلى حدّ وصل فيه عدد الهاربين إلى ما يزيد على عشرة آلاف مستوطن شاب.
وتسعى البلدية، بإقامة هذه المهرجانات، إلى تحريك الأسواق الإسرائيلية واستقطاب السائحين الأجانب إلى أسواق المدينة وفنادقها، فيما شكلت ساحات المهرجان محطة التقاء لمستوطنين تجنبوا دخول المدينة في الأسابيع الماضية بسبب العمليات الأخيرة التي استهدفتهم، وهو ما غيّر نمط حياتهم لتقتصر على البيت والعمل.
وسبق المهرجان بأسبوعين تنظيم الاحتلال ماراثوناً تهويدياً شارك فيه الآلاف من الإسرائيليين والسياح.
يرى مدير «مركز القدس للحقوق الاقتصادية والاجتماعية»، زياد الحموري، أن «الاحتلال يريد بهذه الإجراءات إظهار سيطرته على المدينة، وإبراز أن القدس عاصمته، وأن الوجود اليهودي في المدينة هو الأكبر». ويقول: «حاول الاحتلال في المدة الأخيرة تركيز جهوده الاستيطانية في البلدة القديمة تحديداً». يضيف الحموري: «يريد الاحتلال استقطاب أكبر عدد من المستوطنين عبر توظيف أموال ضخمة لشراء العقارات، ويعمل بهذه المهرجانات للتسويق للبلدة، فيظهر أن المدينة التي باتت من أخطر المناطق في إسرائيل، هي مدينة رخاء ومرح وخالية من المقاومة».
من الناحية النفسية أيضاً، تأمل بلدية الاحتلال أن تخفف حالة الاحتقان والخوف التي يشعر بها المستوطنون. لكن الطبيب النفسي سمير شقير يرى أن «هذه الإجراءات لن تصبّ في مصلحة الإسرائيليين، لأنها لا تخرج من ضمن الحيل الدفاعية التي يستخدمها الإنسان عند شعوره بالخوف حتى يخفي ضعفه». ويقول: «انتشار قوات الاحتلال في المدينة والحرس حول ساحات المهرجان يعزز حالة الخوف عند المستوطنين، لأنه يكون صورة في عقل المستوطن الباطني أن المدينة غير آمنة، ولهذا تنتشر فيها الشرطة بكثافة».
ويتابع شقير: «نمط الشخصية الإسرائيلية دائماً شخصية قلقة، ولهذا فلن يسعف السياسيين الإسرائيليين تنظيم المهرجانات الترفيهية وغيرها»، مضيفاً: «لهذه المهرجانات أثر نفسي في الفلسطينيين الذين سيرون أنها جزء من العدوان الإسرائيلي عليهم، ما سيؤدي إلى ردود فعل لا يمكن توقعها؛ تستثير هذه المهرجانات مشاعر الكراهية عند الفلسطينيين وتعمق إحساسهم بالغربة داخل مدينتهم».