غزة | المراكب المسجونة في الميناء مرّتين: مرّة لأنها ممنوعة من التقدّم لأكثر من مسافة 3 أميال فقط، ومرّة بسبب العاصفة المجنونة، تتأرجح بعنف رغم حماية «السنسول». ومع ذلك، هناك رجل «يتمشى»، وقد شمّر عن ساقيه على الشاطئ الرملي الجميل، الذي تذري الرياح رماله. فيما يجاهد آخر «للتقدّم»، وهو يمشي إلى الخلف عكس مصدر الريح ليحمي وجهه من سياطها المختلطة بالرمل. أسراب من الطيور تحلق كالحائرة دائرياً فوق الميناء في مهبّ العاصفة، كما لو كانت قد أضاعت بوصلتها الخفية. تقول الأخبار إن «3 جبهات هوائية تضرب فلسطين». تتوالى أخبار تعطيل الدراسة والإدارات لسوء الأحوال الجوّية. لا بل إن حالة الطوارئ تُعلن في نابلس. يتسابق إلغاء المواعيد من كافة الجهات. التلامذة لم يذهبوا منذ أمس إلى مدارسهم التي أعلنت الإقفال.


« تلج يا غزّة؟ هيه حصّلت»، تكتب شيرين أبو شعبان على «الفايسبوك». ليس ثلجاً، بل حبّات برد ضخمة تساقطت فجراً على دير البلح. سمعت، بدوري، طرقها العنيف على زجاج النافذة.
لكن هنا داخل الفندق، ابتسامات كثيرة دافئة. يطرق العمّ رسمي، نادل الفندق الوحيد، الباب. لا نساء موظفات في الخدمة ولا حتى في الإدارة. النساء غير منظورات تقريباً في غزة. وإن وُجدن، تراهن قد طمرن أنفسهن تحت كومة من الثياب. البرد والإيمان يساهمان في محو معالمهن. وجود البحر يُعوِّض المفتقد من طراوة في المشهد الذكوري الخشن لغزّة.
موظف الاستقبال سعيد بوجود لبنانية؛ فوالده كان من سكان مخيماتنا، «عين الحلوة»، تحديداً. أقول في نفسي: «كان عليه أن يقوم بتعذيبي بشكل ما»، انطلاقاً من مبدأ «المعاملة بالمثل»، الذي يتشدّق به اللبنانيون لإخفاء عنصريتهم تجاه من هو أضعف منهم، ويتناسونه أمام الجنسيات الاستعمارية. شاب آخر في «المطعم» المفترض للفندق، يخبرني ببهجة، أن منتخب لبنان تأهل رغم خسارته أمام فريق الإمارات إلى الدور النهائي.
يكتمل الصباح، بصوت فيروز من الراديو. «أنا يا عصفورة الشجن، مثل عينيك بلا وطن». ليس راديو غزّة، بل الإذاعة السورية. هنا توجد إذاعة واحدة للأغاني كما قيل لي، لكني لم أعثر عليها، ربما بسبب الطقس السيئ استثنائياً. من هنا. من هذا المكان، أفهم غرام الفلسطينيين بمن ينادونها تودّداً «أم زياد». من هنا أفهم أكثر لماذا يفضلون تلقيبها باسم بكرها. الكل هنا «أبو» أو «أم» شيء ما. هذه طريقة لجعلها من أهل البيت. كأنها الجارة من الحي. مهما نأت بها الجغرافيا، تبقى هنا. لا يعكّر المزاج إلا نشرة الأخبار. تحديداً أخبار حمص ومعاركها الحامية من بيت لبيت، وعروض السعودية وقطر لتسليح المعارضة المسلّحة أصلاً! الناس، جمهور حركة «حماس» خصوصاً، متوتر بدوره من أخبار سوريا. يتابعون الأخبار على قناة «الجزيرة» الفضائية. جماهير الأحزاب الأخرى، وخاصة الجبهة الشعبية، متوترة أيضاً، ولكن ليس تعاطفاً مع المعارضة المسلحة، بل حزناً للدم السوري المراق بين أهل البيت، وتخوفاً من انهيار محتمل لسوريا، وانعكاس ذلك على فلسطين، خصوصاً.
«أم شو حضرتك؟»، يسألني السائق. لا يمكن التجوال إلا بالسيارة بسبب سوء الأحوال الجوية. رغم ذلك، هناك اعتصام أمام مقرّ الأمم المتحدة تضامناً مع أسيرة الاعتقال الإداري، هناء يحيى شلبي، المضربة عن الطعام منذ أكثر من أسبوعين. المشهد يذكرني بأهالي المخطوفين في بيروت. كلٌّ يحمل صورة أسيره. على الحائط المقابل خليط من شعارات. «لا لإعدام صدام حسين» أو«أميركا من يستحق الإعدام وليس صدام». مشكلة الأسرى ضخمة هنا. وهي من شقين كبيرين ذات مغزى: أسرى الاعتقال الإسرائيلي، الاعتقال الإداري خصوصاً، الذي يجدّد من دون مبرّر إلى ما لا نهاية، والأسرى السياسيون، الذين تتفاوض سلطتا رام الله وغزّة من أجل الإفراج عنهم من طريق التبادل، تحقيقاً للمصالحة الوطنية.
هناك استياء كبير بين الناس من الطرفين. الاثنان يخسران من دون أن يكون هناك من يربح مكانهم، كقوة سياسية. تحاول الجبهة الشعبية ملء الفراغ. زيارة القيادي في الجبهة، ماهر الطاهر، للقطاع وتنديده بالانقسام «لأسباب تتعلق بالتنازع على السلطة»، في مؤتمره بمخيم البريج، ودعوته إلى عصيان مدني للسلطتين، يصبّان في هذا الاتجاه على الأرجح.
إلى مخيم البريج الذي يبعد 8 كيلومترات عن مدينة غزّة، يصطحبنا الأسير المحرر، نائب مركز حقوق الإنسان، جبر وشاح. الرجل مسافر غداً إلى الولايات المتحدة. حصل على التأشيرة لزيارة ابنته، التي تدرس هناك، بعد انتظار دام أربعة أعوام. يقول إنه لم يرها من وقتها. يخاف أن تأتي إلى القطاع، وتعلق هنا لسبب ما؛ فلا يعود باستطاعتها أن تكمل دراستها في الطب. ما إن نصل إلى المخيم حتى تنقطع الكهرباء. ننتظر دقيقة فيعود التيار من «المولد». في صالون عائلة جبر صحافي إيرلندي. يقول الشاب المرح بألفة إنه أُغرم بغزّة، لكنه لا يستطيع أن يبقى فيها؛ لأنه «بحاجة إلى زجاجة بيرة واحدة على الأقل بعد العمل». يضحك الموجودون. لا تتأخر أم جبر «والدة الأسرى العرب بالتبني»، عن الدخول. ورغم حزنها على فراق زوجها منذ نحو شهر، فإنها تجلس معنا. لا تلبس أم جبر الأسود حداداً. تلبس ثوبها الفلسطيني الذي طرزته بيدها، وعلى رأسها طرحة بيضاء، وفي أصبعها، فوق محبسها، محبسه الذهبي. بعد جيل أو جيلين، قد يصبح المحبس الذهبي هو الآخر منسياً. محابس الجيل الجديد في غزّة فضية إسلامية. تسألنا عن «ابنها» الآخر سمير القنطار. صورة القنطار معلقة على الحائط مع صور الأولاد الآخرين. تُرينا صور ابنه علي بفخر وسعادة، على موبايل ابنتها شمّا. يدور الحديث بيننا حول كل شيء. تسأل عن بلال مصطفى الدكروب، الأسير اللبناني الذي كان محكوماً لسنة ونصف سنة، وجُدّد اعتقاله إدارياً ستة أشهر خلف ستة أشهر حتى بلغت مدة اعتقاله 14 عاماً. كانت قد تبنته، بدورها، كما تبنت سمير في السجن؛ لأن أهله لا يستطيعون الوصول إليه في سجون الاحتلال الإسرائيلية. تخبرنا كيف كانت تذهب إليه في سجن «الجلمة»، الذي يبعد 3 ساعات في السيارة.
عمر أم جبر اثنان وثمانون عاماً. تقول إنها تحب «النسوان القوية والشديدة». تسأل عن معارفها في بيروت، التي زارتها مرّتين. لا أدري كيف أتينا إلى سيرة الكتابة والقراءة، وإذ بها تقول: «هذي مرارتي. هذا أسفي. شغلتين كنت أحب أسوّيهم في حياتي: أقرا واكتب. واتعلم القيادة». تقول الجملة الأخيرة ضاحكة، وهي تقلّد حركة مقود السيارة إلى اليمين وإلى اليسار، وقد برقت عيناها بمرح وشيطنة طفولية.
أخبار ثورة «الفايسبوك» وصلت إلى أم جبر. تحلل الوضع العربي وتقول إن «أميركا والصهاينة، وهادي قطر مسكوا الثورات العربية». تقول ابنتها «شمّة»: «لما بيقول الربيع العربي والله بزعل. أيا ربيع؟ هادا ربيع ومصر بقالها سنة وشهرين مخضوضة؟ وسوريا؟ والمشحرة ليبيا؟ وحتى تونس. ركبوا الأخوان المسلمين، لأن الأميركان اتفقوا معاهم يحافظوا على إسرائيل». تعقب أم جبر ضاحكة: «بدنا هادا الفايسبوك يجي في إسرائيل»، تقولها وكأنها تريد أن تعني من ورائها «نريد لهذا الصاروخ أن يُصيبها».
فجأة تنقطع الكهرباء؛ فيقول أحدهم في العتمة: «إجت الكهربا». أفهم عليه فوراً «بلغة الكهربا». هو يقصد «كهرباء السلطة» على غرار «كهرباء الدولة». ثم يسأل: «وللا هيدا الموتور؟». قبل أن يعود التيار فجأة، فيقول: «هلق انقطع الموتور ولا الكهربا؟». ثم ينقطع النور مرة أخرى، ليعاود بعد لحظات. بعد نصف ساعة تنقطع الكهربا، ثم تضاء. لم أعد أفهم شيئاً. ولا أهل البيت.
يتحدثون في الصالون عن زيارة الدكتور ماهر الطاهر لغزة. هي زيارته الأولى. يبدو أننا دخلنا معاً من المعبر. أتذكر أن أحد أصدقائه أخبرني بذلك، قائلاً: «سألته عن شعوره أول دخوله، فقال إنه لا يزال غير مصدق، وإنه يحس بالضياع».
العاصفة تشتد في الخارج. أزمة الكهرباء أيضاً تشتد على وقعها؛ فالاستهلاك يزداد في البرد، والمصريون أحبطوا، حسب وكالة «معا» الفلسطينية، محاولة لتهريب «السولار» أي «الفيول» إلى القطاع عبر الأنفاق، وهو وقود محطة غزة الوحيدة لتوليد الكهرباء، فأطفأت سلطة الطاقة المحطة. ذلك أن تشغيلها، كما أوضح مصدر تقني فيها، لم يعد ممكناً من دون تحقيق استمرارية التموين بالفيول؛ لأن الآلات ستتعطل.
رئيس الحكومة المقالة في القطاع، إسماعيل هنية، يعطي توجيهاته بعدم فصل التيار عن البيوت، التي لم تدفع فواتير الكهرباء، وذلك مؤقتاً. إنذار آخر يأتي من المستشفيات وغرف عنايتها الفائقة وحضانات الأطفال الخدّج، أي المولودين قبل الأوان. حياة هؤلاء معلقة بخيط كهرباء ضعيف لا ينفك يتآكل. يدبّ دكتور حسن خلف، وكيل وزارة الصحة المقالة، الصوت. يقول إن هذا الأمر يمثّل خطورة حقيقية على الوضع الصحي. ويؤكّد أن توقف أجهزة التنفس الصناعي يعرّض حياة المرضى لخطر الموت في أي لحظة. ويناشد اللجنة الدولية للصليب الأحمر ومنظمة الصحة العالمية والمراكز الحقوقية والإنسانية و«كافة الجهات الحقوقية والإنسانية وكل الأحرار والشرفاء في العالم» ضرورة التدخل الفوري والعاجل لإدخال الوقود اللازم لتشغيل المولدات اللازمة لمستشفيات قطاع غزة». لكن، ما قصة الكهرباء في غزة؟ (يتبع)




هنيّة: جهات تعرقل حلّ الكهرباء

اتهم رئيس الحكومة الفلسطينية المقالة إسماعيل هنية، أمس، جهات لم يسمها بمحاولة عرقلة جهود حكومته لإيجاد حل نهائي وجذري لمشكلة انقطاع الكهرباء في قطاع غزة. وقال، خلال خطبة الجمعة في أحد مساجد غزة إن «هناك أطرافاً وقوى لا تريد أن تسير الحكومة باتجاه حل جذري لهذه المشكلة»، مؤكداً وجود اتصالات مع دول وشخصيات عربية وإسلامية من أجل حل جذري لهذه القضية. وقال: «لا الكهرباء ولا غيرها ستدفع الحكومة لتقديم تنازلات». من جهة ثانية، دعا هنية كل القيادات الفلسطينية والأهالي في الخارج إلى زيارة غزة؛ «لأنها ستكون بداية العودة». وقال، خلال مأدبة غداء نظمها على شرف كل من عضو المكتب السياسي لـ«حماس» عماد العلمي، وعضو المكتب السياسي للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين ماهر الطاهر، إن الحفل «يحمل دلالات عدّة، أولاها وحدة الأرض؛ ففلسطين واحدة كاملة وغزّة جزء منها، وهو تحرر بالمقاومة والصمود».