نيويورك | في جلسة للجمعية العامة للأمم المتحدة عقدت في وقت متأخر من ليل أمس، تحت بند «منع النزاعات المسلحة»، حمل الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون أكثر مواقف الدول الغربية تطرفاً في الوضع السوري. تجاهل في تقريره الشفهي (على غير العادة قبل التقرير الخطي)، الدستور السوري الجديد، وحمّل الحكومة السورية مسؤولية «القتل الممنهج للمدنيين». كل هذا عشية توجه مبعوث الأمم المتحدة والجامعة العربية كوفي أنان إلى المنطقة من أجل بدء عملية ترمي إلى وقف القتال، وبدء التحاور بين الأطراف، وحل الأزمة السورية سلمياً. وأعرب عن «خيبة أمل شديدة» من عدم استقبال سوريا لمنسقة المساعدات الإنسانية، فاليري آموس، وهو ما نفاه مندوب سوريا بشار الجعفري، في كلمته، إذ كشف أنه سهّل شخصياً زيارة آموس، وطلب منها تحديد موعد وتفاصيل الزيارة، لكنها فشلت في فعل ذلك.


وقد اتهم بان الحكومة السورية بأنها «فشلت في القيام بواجبها في حماية المدنيين الذين يتعرضون لهجوم مسلح في عدة مدن»، وأشار باقتضاب إلى استغلال «عناصر متطرفة» الوضع للقيام بأعمال إرهابية في حلب ودمشق.

الجعفري أخذ في رده على الأمم المتحدة، التي «تفادت منذ البداية استشارة الحكومة السورية في كل الخطوات التي تقوم بها، وتجاهلت رسائلها وتقاريرها عن الوضع، وكذلك الإصلاحات التي تمت، وتلك التي ستتم». واتهم الأمين العام بالاعتماد في موقفه على «تقارير استخبارية صادرة عن دول تناصب سوريا العداء المكشوف»، وباستخدام عبارات «تشهيرية» معادية لسوريا، إضافة إلى استناده إلى «معارضة تقيم في دول معادية، وتحرض ضد سوريا وتدعم المعارضة بالمال والسلاح في السر والعلن». وشكك الجعفري في نوايا بان، وكاد يتهمه بأنه وراء تخريب مهمة كوفي أنان وإجهاضها قبل بدئها. وتساءل في هذا الصدد عن «كيف تستقيم لغة تشهيرية مع رغبة لدى الدول الأعضاء في إرسال كوفي أنان للقيام بمساعٍ لوقف الأحداث المؤلمة؟».

وانتقد الجعفري وزير خارجية السعودية سعود الفيصل، ورئيس وزراء قطر حمد بن جبر، على خلفية إعرابهما عن الاستعداد لاستضافة المعارضة السورية المسلحة، وكذلك ليبيا التي تحشد المقاتلين وتبرعت لهم بمئة مليون دولار. وأكد «عثور القوات السورية على سلاح إسرائيلي في حمص»، عازياً تدهور الوضع المعيشي في بعض المناطق إلى «تخريب الإرهاب والعقوبات خارج الشرعية التي فرضتها دول عربية وأوروبية»، جازماً بدخول طواقم الصليب الأحمر والهلال الأحمر إلى حمص. أكثر من ذلك، فقد اتهم الجعفري بعض الدول «بالتآمر على سوريا»، ودعا إلى تحميل تلك الدول المسؤولية عن أعمالها «غير المسؤولة». ودعا الأمين العام إلى وضع حد للتدخل المسلح في سوريا «في منطقة تغلي وتهدد الوضع بالانفجار في كامل المنطقة»، وحمّله مسؤولية التقصير في هذا الصدد.

وتابع الجعفري متهماً الأمم المتحدة باعتماد «ازدواجية المعايير وباتباع قانون أدنى من قانون الغاب». وخاطب بان قائلاً «ساعدوا سوريا حكومة وشعباً على مواجهة المشكلة الإنسانية التي تعانيها بعض المناطق وفقاً لأحكام الميثاق والقانون الدولي، من خلال عدم التشجيع على سفك دماء السوريين، بما في ذلك المعارضة السورية، وكثير منها شريف». وأضاف «وسائل الإعلام تحرض على الشعب السوري، وتتاجر به وتدفع إلى سفك دمائه».

بدوره، تحدث المندوب السعودي عبد الله المعلمي باسم بلاده ومجلس التعاون الخليجي، فرحّب بتعيين كوفي أنان استناداً إلى قراري الجامعة العربية والجمعية العامة للأمم المتحدة. بعدها، اتهم النظام السوري «بخوض سباق مع الزمن ضد المدنيين»، والقوات السورية بارتكاب «سربرينتسا جديدة» في بابا عمرو، وشبّه الوضع في الحي الشهير بما جرى في رواندا وكوسوفو وغزة. وطالب المعلمي مجلس الأمن بالدعوة إلى وقف العنف وإيقاف قصف المدنيين في المدن السورية، وإيصال المساعدات الإنسانية، والعمل على التوصل إلى حل سياسي ينطلق من قواعد الوحدة الوطنية الشاملة. وحمّلت كلمة مجلس التعاون، المجتمع الدولي وروسيا والصين، المسؤولية الأخلاقية عما يجري الآن في بابا عمرو وخارجها. وخلص المندوب السعودي إلى أن «سوريا وإسرائيل في خانة واحدة»، ليطالب بإرسال قوات عربية وأجنبية إلى سوريا، وبتسليح الشعب السوري.

وعاد الجعفري ليرد على ما وصفها «أشياء خطيرة» وردت على لسان المندوب السعودي، الذي استخدم كلمة «نظام» في إشارته إلى السلطة السورية. وقال الجعفري إنه يربأ بنفسه أن يستخدم تلك العبارة «غير اللائقة» في وصف الحكومة السعودية. وانتقد دعوة المعلمي إلى إرسال قوات عربية أممية مشتركة لحفظ الأمن في سوريا، لأنّ ذلك يُعدّ «عدم احترام للحكومة السورية». وقال الجعفري «نتبرّع بإرسال قوة عربية وأممية لحماية سكان القطيف في المنطقة الشرقية من السعودية»، وشدد على ضرورة سحب السعودية قواتها من البحرين، «هي التي تعتدي على شعب البحرين الشقيق» على حد تعبيره. وبلغة تهديدية، نصح بألا يستفز أحد سوريا «لأن لدينا الكثير لنقوله عن أنظمة الحكم في الدول العربية وخارجها». وعاب على العرب تشبيه «التمرد المسلح المحدود» بمذبحة سربرنيتسا وكوسوفو ورواندا، «وهو خلط لا يخدم إلا إسرائيل»، وخصوصاً أن السعودية «تُنسَب إلى حكامها السعوديين لا إلى السكان»، ونصح بعدم استفزازه أكثر من ذلك «كي لا يقول كلاماً جارحاً» وفق تعبيره.

أما المندوب المصري، ماجد عبد الفتاح، فقد رحّب أيضاً بتقرير الأمين العام الشفهي، وذكّر بأن سوريا «شاركت في تجميد عضوية ليبيا ولا يمكنها الادعاء بأنها لم تشارك في قرارات الجامعة العربية». وطالب بوقف العنف وفتح الباب للمساعدات ودخول آموس إلى كافة المناطق، إضافة إلى دعم قرارات مجلس حقوق الإنسان. وطالب عبد الفتاح ببدء حوار سياسي متكامل مع المعارضة في الداخل والخارج، و«ليس لطائفة بعينها»، محذراً من «حرب أهلية ستعاني المنطقة منها بكاملها»، وشدد على ضرورة الحصول على تقارير دورية عن الأوضاع في سوريا.

أما المندوب الإيراني، محمد خزاعي، فقد اكتفى بدعم مهمة كوفي أنان «وأيّ عملية من شأنها حل الأزمة سلمياً في سوريا». وأعرب عن أسفه من أن تلجأ دول منذ بداية الأزمة إلى الدعوة إلى تغيير النظام وتشجيع النزاع المسلح ومساعدة المسلحين بالمال والسلاح. وشدّد خزاعي على حاجة المنطقة إلى الاستقرار والسلام، ووضع حد «للجماعات المسلحة». وانتقد «العقوبات التي لا تؤدي سوى إلى تفاقم المشاكل الاجتماعية والسياسية في المنطقة»، مشيراً إلى أن «دور الأمين العام يجب أن يكون العمل على تشجيع الحوار، وأخذ الإصلاحات السورية بعين الاعتبار، مع المحافظة على وحدة سوريا وسيادتها على أرضها».