لم ينتهِ أصحاب مصانع صياغة الذهب في غزة من نفض الغبار عن آلاتهم تحضيراً لتصدير الذهب إلى أسواق الضفة المحتلة؛ بعدما سمحت إسرائيل أخيراً لتجار القطاع بتصدير منتجاتهم للمرة الأولى منذ قرابة عشر سنوات، حتى فاجأتهم يوم أمس بمنع تصدير المعدن الأصفر من جديد.
وكانت إسرائيل قد سمحت بتصدير أربعة كيلوغرامات من الذهب أسبوعياً، خارج غزة، بعد اتفاق أبرمته مع «دائرة الشؤون المدنية»، الجهة المخولة بالتنسيق مع الاحتلال في السلطة الفلسطينية، منذ مطلع آذار الجاري.
ولم تظهر بعد أسباب التراجع الإسرائيلي عن قرار السماح، فيما قالت وزارة الاقتصاد في غزة إنها بذلت جهوداً كبيرة مع «الشؤون المدنية» على مدى شهور للوصول إلى اتفاق يسمح بتصدير ما مجموعه 15 كيلوغراماً من ذهب غزة إلى الضفة شهرياً، كما ذكر المدير العام لمديرية دمغ ومراقبة المعادن الثمينة في الوزارة، جمال مطر.

قرار السماح بتصدير الذهب كان مثيراً للغرابة أكثر من قرار المنع

من ناحية اقتصادية، كان السماح بتصدير ذهب غزة قد أعطى الأمل بتحريك عجلة المصانع المتوقفة منذ سنوات، في وقت كُتب فيه البقاء لتسعة مصانع من أصل خمسة وأربعين، وذلك بعد عقد من الحصار بدأ مع سيطرة حركة «حماس» على قطاع غزة عام 2007.
ووفق إحصاءات قدمها رئيس «نقابة الصاغة والمعادن الثمينة»، أبو بلال عطوة، كانت مصانع صياغة الذهب توفر لقمة العيش لما يزيد على 150 أسرة، وكان من شأن استمرار التصدير أن «يعيد الثقة إلى المهنة التي تلاشت جراء ركود الاقتصاد».
في السياق، يعلق المحلل الاقتصادي، معين رجب، بالقول إن السماح بتصدير الذهب من غزة إلى الضفة من الأساس كان مثيراً للغرابة أكثر من قرار وقف التصدير، لأن تجارة المعادن الثمينة من الركائز الاقتصادية لغزة، وكان يمكن تصدير الذهب أن يحرك الاقتصاد الراكد، الأمر الذي «يتعارض مع المنظومة الاقتصادية الإسرائيلية القائمة على ديمومة تبعية وإرباك الاقتصاد المحلي».
ولم تتأخر آثار منع التصدير على سوق الذهب المحلية كثيراً، فقد انخفضت أسعار الذهب من 25 ديناراً أردنياً للغرام الواحد إلى 23 ديناراً في خلال ساعات (35 دولاراً أميركياً إلى 32 دولاراً).
لكن لا يبدو أن التاجر هو المتأثر بهذا الإرباك فقط، لأن سوق الذهب الغزية يغلب عليها منذ سنوات اتجاه المواطنين إلى بيع ما يمتلكون من مخزون لتوفير احتياجات الحياة المتزايدة، فضلاً عن الحاجة إلى المال لبناء آلاف البيوت المهدمة بعد حرب الخمسين يوماً عام 2014.
ومن الممكن أن تؤدي هذه الخطوة، كما يقول التاجر رامي الضابوس، إلى «انخفاض أسعار الذهب المحلي الذي يبيعه المواطن لتجار الذهب بمعدل 50 دولاراً للأونصة، وارتفاع سعر الذهب الأجنبي الذي يشتريه المواطن من التجار، الأمر الذي سيزيد الأعباء على 16 ألف عريس (عدد حالات الزواج السنوية في غزة)، الذين سيضطرون إلى شراء الذهب بثمن السعر الدولي المرتفع».