منذ أن هبّت أولى نسائم الربيع العربي، ارتبكت الرياض. لم تكن مصالح المملكة على المحكّ في تونس، لكن سقط بعدها الحليف المصري في محور «الاعتدال». بات عندها للمملكة صوت شاجب. كرمى لعيون الرئيس المصري المخلوع حسني مبارك، استخدم الملك عبد الله، في بيانه في 29 كانون الثاني، كلمة تحبّها دمشق: «مندسّ» هو من «يحاول زعزعة أمن مصر واستقرارها».


هو «المندسّ» ذاته الذي حرص نظام الرئيس بشار الأسد، منذ آذار الماضي، على توجيه مختلف التهم إليه. صمتت المملكة 5 أشهر قبل أن تشجب إراقة الدماء. رويداً رويداً، عاد «المندسّ» ثائراً في أبجدية المملكة، منذ أن طرقت الثورة أبواب دمشق، ولاح للرياض أن خاصرة إيران باتت رخوة، وأصبح بالإمكان «قطع رأس الحية». يكاد يجمع المحللون الغربيون على أنّ حميّة المملكة حيال الدماء السورية نابعة من رغبتها في كسر «الهلال الشيعي»، على اعتبار أن «السعوديين ومعهم القطريين، الذين هم الأكثر نشاطاً حالياً، يمثلون بالضبط، الطغاة الذين يثور الشارع ضدهم»، على حد تعبير الكاتب في «ذا غارديان»، أدريان هاملتون، في مقال نُشر في 2 آذار.
«نسائم الربيع السعودي تلوح من جديد»، هكذا تنبأت «ذا غارديان» قبل أيام، ولحقتها مجلة «إيكونوميست» في تقرير نُشر الجمعة. فهل سيثور الشارع ضدّ السعوديين؟ ليس الأمر مستبعداً، يُجيب اللواء الباكستاني المتقاعد، شوكت قدير، الذي ترأس «معهد إسلام آباد للبحوث السياسية». ويوضح لـ«الأخبار» أن «السعوديين لا يفهمون أنّهم بقمعهم لجيرانهم، قد يشترون بعض الوقت، لكن الأوضاع ستنفجر لاحقاً في معظم الدول الإسلامية»، وقد تلفحهم شظاياها.
وبالعودة إلى التشكيك في الدافع الإنساني للسعودية، فإنّه عائد، بحسب الكاتب في «ذا غارديان»، براين ويتاكر (في 26 شباط) إلى أن «السعوديين الذين حظروا أي شكل من أشكال التظاهرات في أرضهم، لم يتورّعوا قط عن إطلاق النار على المتظاهرين»؛ ففي أحدث مواجهة، على سبيل المثال، في 21 تشرين الثاني من العام الماضي، أطلقت قوات الأمن السعودية النار على متظاهرين في المنطقة الشرقية، مردية 4 منهم على الأقل، وفقاً لمركز «غلوبال ريسرتش» الكندي. قبل أن يضيف الكاتب إنهم (السعوديون) «عبثوا، عمداً، في اليمن لضمان ألا يحدث شيء هناك، بعد أن يتخلّوا عن علي عبد الله صالح».
من جهته، يقول الباحث في مجلة «فورين بوليسي» مارك لينش، إنه «منذ آذار الماضي، تصدّرت السعودية جبهة مكافحة الثورات بهدف رسم النظام الإقليمي الجديد وفق رؤيتها»، وذلك بعد عقد ساد فيه نظام مكوّن من تحالف «المعتدلين غير الديموقراطيين الموالين للولايات المتحدة وإسرائيل»، وتحالف «محور الممانعة». وبحسب لينش، كان هناك ما يكفي من الأسباب للقول إن السعودية وجدت نفسها في قلب العاصفة الإقليمية. فشبابها كُثر، ومعدلات البطالة فيها عالية، والمؤسسة الدينية تفرض قيوداً قاسية على المجتمع. أما قيادتها، فهرمة ومنقسمة. كما أنها «تعاني انقساماً خطراً بين السنّة والشيعة». ويضيف إن المملكة لطالما عرفت مطالبات بالإصلاح السياسي من معارضين إسلاميين أو ليبراليين. وعندما لاحت بوادر الاحتجاجات في المملكة في 11 آذار الماضي، لم يثر أحد. لقد أرفق الملك «قمعه الحازم بحزمة مساعدات وحوافز مالية».
وفي وقت ظلّت فيه جبهتها المحلية آمنة، شكّلت البحرين أول ميدان خطر لمكافحة الثورة، تواجهه السعودية. في 14 آذار 2011، غزت قواتها المنامة «ملصقة سمة التبعية لإيران على الحركة الديموقراطية البحرينية». بضربة استباقية، «أُخمدت أي تظاهرات محتملة في الخليج». وكانت تلك أول نقطة تسجّلها السعودية في «حربها الباردة» مع إيران.
الآن، «تشمّر الرياض مجدداً عن سواعدها»، علّها تضرب طهران في خاصرتها الدمشقية؛ فقادة «السعودية السنّة الوهابيون»، وفق وصف ويتاكر في «ذا غارديان»، يعانون من «فوبيا الشيعة»؛ فهم لا «يخشون فقط من إيران، بل أيضاً من شيعتهم المهمّشين، ومن الغالبية الشيعية في البحرين، ومن النفوذ الشيعي المتنامي شمالاً في العراق». هذا ما يسمّيه الأستاذ المساعد في الجامعة اللبنانية الأميركية، حبيب مالك «سُمية السياسات السعودية عندما تكون الدوافع الوهابية حاضرة»، في تقرير لجامعة «ستانفورد» الأميركية، وهذا ما يجعل من كل «نهج تروّج له المملكة مُثيراً للشكوك».
رغبة السعودية في تسليح المتظاهرين السوريين، وهو الأمر الذي بات قاب «أيام أو أسابيع»، بحسب ما أكّد دبلوماسي عربي رفيع لصحيفة «واشنطن بوست» الجمعة، عازياً التأخير إلى أسباب «لوجستية لا سياسية»، هي نابعة من رغبة في «التخلّص من (بشار) الأسد كي تميل دفة الميزان مجدداً لمصلحة السنّة»، وهذا ما ينذر، برأي ويتاكر، بجعل «الصراع في سوريا أكثر مذهبية».
لكن هاملتون ذهب الى أبعد من هذا، محذراً من أن «الخطر المحدق بالمنطقة والعالم، يكمن في الدوافع السعودية»، موضحاً أنه «كلما شعرت المملكة بأنها مهددة بفعل الربيع العربي، أحكمت خناقها في الداخل، وشمّرت عن سواعدها في الخارج. وهي تقوم بذلك «بنزعة مذهبية واضحة، مروّجة للقضية السنية ضدّ النظام العلوي في سوريا، والشيعة من غير العرب في إيران».
إذاً، هل ينجح السعوديون في مسعاهم للترويج للقضية السنية؟ يعود أستاذ العلوم السياسية في جامعة «فيرمونت»، غريغوري غوز، إلى سنوات قليلة خلت، قائلاً إن المملكة «فشلت في معظم مبادراتها. الملك اتخذ ثلاث مبادرات تهدف جميعها إلى قلب النفوذ الإيراني في العالم العربي، وقد فشلت جميعها: الأولى في العراق، حيث دعم إياد علاوي، والثانية في لبنان حيث دعم قوى 14 آذار، والثالثة في فلسطين حيث حاول جلب «حماس» إلى طاولة الحوار، لكسر علاقتها مع إيران». «حتماً، لا يعتقد السعوديون أن الديموقراطية فاعلة، طالما أن رجلهم يفوز، لكنه لا يحصل على الحكم»، هي طرفة ابتكرها غوز، ويطيب له أن يسردها لـ«الأخبار».




تمييز وفقر وبطالة


يشكّل الشيعة في السعودية نحو 15 في المئة، وفق تقرير «مجلس العلاقات الخارجية» الأميركي، من مجمل عدد السكان، البالغ 25 مليون نسمة. هؤلاء يعانون من التمييز في مجال العمل؛ فهم ممنوعون من الالتحاق بالكليات العسكرية (هيومن رايتس ووتش)، ومن العمل كقضاة أو من تبوّء المناصب العليا في الإدارات الرسمية، المدنية منها والعسكرية (مجلة «بيزنس ويك»). وأكثر من ذلك، هم «غير مؤهلين لتقديم شهادتهم في المحاكم». السعودية حققت، بحسب تقرير مؤسسة النقد العربي السعودي، فائضاً في موازنة العام 2011 بنحو 185.3 مليار ريال، أي بنسبة 9.1 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي. ومع ذلك، لا تزال نسبة البطالة في المملكة تبلغ 35 في المئة، وهو رقم تقلّصه التقارير الرسمية إلى 10.6 في المئة («إيكونوميست»). السعودية تنفق ما يزيد على 60 مليار دولار في صفقات سلاحٍ جديدة مع أميركا. معظم المال السّعودي سيذهب لشراء طائرات أميركيّة من الجيل الرّابع، فيما تنفق كلّ من إسرائيل، والهند، وروسيا، والصّين، ونصف دول أوروبا أقلّ من عُشر هذا المبلغ لتصميم وحيازة طائراتٍ من الجيل الخامس. في المقابل، فإن 22 في المئة من السعوديين يعانون من الفقر، بحسب جامعة «جورج تاون»، كما أن سعودياً واحداً من كل 7 بالغين، لا يقرأ (مجلة «ذا تايم»).