بغداد | سجّلت الأسابيع الثلاثة الماضية تراجعاً واضحاً في عدد الهجمات التي تصدّها القوات الأمنية غربي محافظة صلاح الدين، في ما تعرف بـ«خطوط الصد»، كما أن الموجودين في مدينة سامراء باتوا يلاحظون توقفاً شبه كامل لحالات القصف التي كانت تتعرض لها المدينة، بعد إعلان تحرير كامل منطقة «جزيرة سامراء» بمساحة تبلغ 5 آلاف كم مربع.
ومن المعروف أن إعلان تحرير مدينة تكريت، مركز محافظة صلاح الدين، في مثل هذا اليوم قبل عام، قسّم خريطة السيطرة في المحافظة إلى شكلين: الأول، المدن وهي كانت خاضعة للقوات الأمنية و«الحشد الشعبي»، أما الثاني، فهي القرى النائية المتباعدة، التي يمثّل معظمها ما عرفت بجزيرة سامراء، وكانت تخضع لسيطرة «داعش»، الذي استخدمها قاعدة لهجمات تتعرض لها سامراء وتكريت والأقضية المجاورة، على نحو شبه منتظم.
وتمثّل هذه المنطقة النقطة الأساسية التي دفعت بقيادة «الحشد الشعبي» إلى البدء بعملية عسكرية كبرى استمرت أربعة أيام، وانتهت بتأمين المساحات الصحراوية الواقعة إلى غرب المحافظة، كما أعلنت الحكومة العراقية، رسميا، أن سبب عمليات تحرير جزيرة سامراء التي تضمّ أكثر من 65 قرية زراعية، هو تحرير ما تبقى من محافظة صلاح الدين وتأمين مرقد الإمامين العسكريين في مدينة سامراء من الهجمات التي يشنّها «داعش» بقذائف الهاون، ذلك أن «داعش» كان يستهدف الوصول إليهما بهدف «التأجيج الطائفي»، وهو سلاح استخدمه تنظيم «القاعدة» عام 2006. وهذا الاعتقاد دفع بالحكومة إلى الانطلاق من هذه المدينة في الحرب على «داعش»، صيف عام 2014، واستثمار فتوى «الجهاد الكفائي» للمرجع الأعلى علي السيستاني، الأمر الذي أدى حتى الآن الى تحرير مدن واسعة، غالبيتها على يد «الحشد الشعبي»، الذي أُلّف من فصائل مقاومة على أثر سقوط مدينة الموصل.

تحوّل عمل القوات الأمنية بعد تحرير "الجزيرة" إلى استخباري

فضلاً عن ذلك، أسهم تحرير "الجزيرة" في قطع طرق إمداد كان يستخدمها «التنظيم» للتنقل بين المناطق الشمالية والموصل والشرقاط والمناطق الغربية، وخصوصاً قضاء الفلوجة، أبرز معاقله في محافظة الأنبار.
وفي هذا السياق، لفت اللواء معد بداي الفراجي، وهو قائد اللواء 74 في الجيش العامل في جزيرة سامراء، إلى أن «عمل القوات الأمنية العراقية تحوّل، بعد إتمام تحرير الجزيرة، إلى عمل استخباري بدلاً من الجهد التعرّضي»، في إشارة إلى تراجع الهجمات التي كان «داعش» يشنّها على القطعات الأمنية، على طول الخط الفاصل بين المنطقتين الشرقية والغربية في صلاح الدين. الفراجي قال لـ«الأخبار» «الآن بعد تحرير هذه المساحات الواسعة من جزيرة سامراء، وأيضاً جزيرة تكريت، جرى إبعاد الخطر عن مدينة سامراء وعن الطريق العام الرابط بين بغداد ــ تكريت والمناطق الشمالية الأخرى».
من جهته، أوضح الخبير الإستراتيجي هشام الهاشمي أن العمليات العسكرية، التي انتهت قبل أقل من شهر، أدت إلى قطع طريق إمدادات نحو الكرمة (تابعة للأنبار، وتعد من أهم بوابات الفلوجة أبرز معاقل «داعش»)، وأيضاً إلى قطع طريق إمدادات «داعش» نحو حديثة وهيت (أقصى غرب العراق)، فضلاً عن تقليل الهجمات على مناطق بيجي والصينية ومكحول.
ولكن تحرير "جزيرة سامراء"، وقبلها مناطق مهمة منها مدينة تكريت، قد ساهم إلى حد كبير في إثارة الجدل مجدداً إزاء الضغوط الأميركية بشأن منع فصائل "الحشد" من المشاركة في تحرير مدينة الموصل.
وفي هذا الشأن، أشار الخبير في الشأن السياسي ماجد الحسني إلى أن «الأبعاد السياسية للنجاح اللافت في تحرير هذه المساحة الشاسعة من الأرض في عمليات جزيرة سامراء، يزيد من الضغط على الحكومة لرفض أي مشروع أميركي يُراد منه استثناء الحشد الشعبي من عمليات تحرير الموصل». ورأى الحسني في حديث لـ«الأخبار» أن «ما حصل في صلاح الدين، التي كانت ثالث أهم معاقل داعش، لا يدعم الحجج التي تتبنّاها أطراف سياسية لأن سكان صلاح الدين هم من المكوّن ذاته الذي يتكوّن منه سكان الموصل، وهذا يعني أن الحشد يمكن أن يشارك في تحرير هذه المدينة، كما فعل قبل ذلك في صلاح الدين».