الخرطوم | أراد محمد جادين مشاركة العشاق في عيدهم الذين اختاروا له الرابع عشر من شهر شباط من كل عام. توجه ناحية شاطئ النيل بالقرب من الجزيرة التي يقطنها، وهناك داعبت أذنيه همهمات، فظن بوجود حفل غنائي في المكان، لكن ما إن مرت برهة أخرى حتى أيقن أن الخيمة، مصدر الصوت، لم يكن في داخلها سوى خطيب ينتمي الى جماعة أنصار السنة المحمدية يحرّم في خطبته، التي أمّها فقط بعض الأفراد المنتمين إلى الجماعه، الاحتفال بعيد الحب.


وبحسب جادين، لم يعجب الجمهور بحديث الخطيب فسارعوا الى إخلاء المنطقة بهدوء. هذه العملية، وإن تمت بكل سهولة ويسر، فإن عملية إخلاء أخرى مماثلة احتاجت الى تدخل من قبل الشرطة لفض اشتباكات حدثت بين أكبر طائفتين دينيتين في السودان، أنصار السنة والطرق الصوفية، وذلك أثناء إحياء منتسبي الطرق الصوفية احتفالاتهم بمولد النبي محمد، وهو الشيء الذي يُعدّ عند أنصار السنة غير شرعي وبدعة ينبغي التصدّي لها، ليضع الحادث السودان أمام فصل جديد من الصراع الطائفي الذي لم يألفه السودانيون. فبالرغم من الصراعات السياسية المتواصلة، والحروب الأهلية المتكررة، التي أصبحت سمة بارزة وصفة ملازمة لاسم السودان، إلا أن ذلك القطر ظل يعيش بمنأى عن أي صراعات طائفية أو دينية، على غرار ما يعانيه العديد من دول المنطقة العربية. ولطالما عُرف مواطنو السودان بأنهم «متديّنون بالفطرة»، ما جعلهم ينتهجون ديناً وسطاً، ويعيشون تسامحاً دينياً قلّ أن يُوجد مثله في المنطقة، لا على مستوى الطوائف الدينية فحسب، بل حتى في شكل العلاقة بين المسلمين والمسيحيين.
مع كل ذلك، ظل هناك صراع مكتوم بين «الطرق الصوفية»، و«التيار السلفي»، وإن لم يصل إلى مرحلة العنف. صراعٌ يمكن وصفه بـ«الخلاف الأزلي» بين منهجين؛ الأول الصوفية التي أدّت دوراً مهماً ـــــ بحسب المؤرخين ـــــ في نشر الإسلام في السودان، عبر انتشار طرقِها وشيوخِها بامتداد حدود البلاد. لكن هذا الدور يوصف بأنه من «المغالطات التاريخية» من قبل التيار السلفي، متمثّلاً في «جماعة أنصار السنّة المحمدية»، وهي جماعة وتيار ظهر كامتدادٍ لأفكار «الحركة الوهابية» في السعودية ونهجها. ويتمحور الخلاف الأساسي بين الطرفين في اعتبار التيار السلفي كل ما تقوم عليه الصوفية من أفكار وأعمال، بأنها مجرد «بِدَعٍ وضلالات» لا أساس لها، وينبغي محاربتها. لكنهم يتبعون منهجاً من السنة لإزالة ذلك المنكر، وبالتالي تنفي الجماعة نفياً قاطعاً أن تكون قد قامت بإزالة «قباب» شيوخ الصوفية التي حدثت أخيراً في ضاحية شرقي الخرطوم. وحسب أحد مشايخ أنصار السنة، فإن منهجهم في إزالة المنكر يتم أولاً باللسان، وأن الفعل بواسطة اليد ليس من نهجهم وذلك على مستوى القناعات الفكرية، باعتبار أن الهدم المادي يمكن أن يعاد بناؤه. وحسب الشيخ، الذي فضل عدم الكشف عن هويته، فإن الهدم يتم للمعاني قبل المباني. وأضاف لـ«الأخبار» «هناك جهة ثالثة تقوم بتلك الأفعال من مصلحتها تأجيج الصراع بين الطائفتين». ووصف علاقة الجماعة مع الحكومة بأنها الآن تمر بمرحلة الهدنة بعدما فشل النظام في احتوائهم، فيما يسود توجس في الشارع السوداني نظراً إلى وجود مخاوف من أن يكون ما حدث بداية لشكل جديد من الصراع الطائفي والمذهبي، مع الأخذ في الحسبان أن المواطن البسيط لا يفرق بين جماعة أنصار السنة المحمدية والجماعات التكفيرية.
والسؤال الذي يطرح نفسه هنا، هل السودان مقبل بالفعل على الدخول في أتون عنفٍ طائفي. أمر يبدو غير مستبعد وفقاً لرئيس حزب الوسط الإسلامي، القيادي السابق في جماعة أنصار السنة المحمدية، يوسف الكودة، الذي يدعو إلى التنبّه للمنعطف الخطير الذي تمر به العلاقة بين الطوائف الدينية في السودان. ووفقاً للكودة، فإن ما حدث أخيراً من مواجهات بين أنصار السنة والطرق الصوفية، وإن كان أمراً عارضاً، إلا أنه يُعتبر بذرة لشِقاق طائفي، يمكن أن يتطور. ويضيف لـ«الأخبار» «لسنا معصومين من أن نُصاب بما أصاب بعض الدول الإسلامية من تعصب طائفي، يؤدّي في النهاية إلى الاحتراب والاقتتال». ويرى ضرورة الاهتمام بهذه المسألة من جهة توفير وتمليك الكثير من أنواع الفقه الغائب عن هؤلاء، حتى نطمئن إلى وقايتهم وتحصنهم به، مشيراً إلى «أننا نفتقر إلى كثيرٍ من القواعد الفقهية، والأخلاقيات التي كان يتحلّى بها سلفنا الصالح، عندما يواجهون مثل هذه الأشياء».
في المقابل، فإن وزير التوجيه والأوقاف السابق بولاية الخرطوم، وأحد مشايخ الطرق الصوفية، عثمان بشير الكباشي، يراهن على القيم السودانية الأصيلة؛ وتحديداً التسامح والتعايش، في أنها يمكن أن تعصم السودان من أي فتنة طائفية أو مذهبية أو دينية. ويقِرّ في حديثه إلى «الأخبار» بأن هناك بالفعل نُذر فتنة مزعجة، ينبغي الانتباه لها ومحاصرتها في أضيق نطاق من قِبل الحكومة والمجتمع، وذلك باستدعاء هذه القيم السودانية، والتي هي في الأساس قيم إسلامية. وشدد على ضرورة محاصرة ظواهر العنف التي بدأت تتجلى في التعدي على القِباب والأضرحة، والتعامل مع الجناة وفقاً للقواعد الشرعية والقانونية، وألا يمر أي حادث يمس أي مقدس إنساني من دون محاسبة، حتى لا يتمادوا في ذلك.
ويشير الكباشي، الذي قاد مبادرةً للصلح بين الطرفين، إلى أمر آخر مهم وهو ضرورة المحافظة على الخطاب الديني المعتدل، الذي لا يميل إلى الإثارة، ويقصد بذلك خطاب التكفير والتخوين والسباب والشتائم، الذي يصدر من بعض الجماعات الدينية. ويطالب الكباشي جميع الأطراف بالتراضي على ميثاق شرف دعوي. ويبدي أمله أن تتم الاستفادة من حادثة المولد النبوي، في تطوير صيغة خطاب دعوي يحرّم ويجرّم أي استفزاز أو عنف لفظي بين الطرفين، لأن «الحرب أولها كلام».




تضييق على أنصار السنة


يبدو أن تداعيات حادثة باحة احتفالات المولد لن تمر مرور الكرام، وذلك بعد ضغط دستوريين ينتمون الى الطرق الصوفية على الحكومة لتضيق الخناق على جماعة أنصار السنة. ولا شك أن مرحلة الهدنة بين الحكومة والجماعة في طريقها نحو الزوال لتأتي مرحلة المواجهه المعلنة، إذ أعلنت السلطات في الخرطوم منع شيوخ أنصار السنة من التحدث في المنابر العامة كالساحات العامة والحدائق، بالإضافة إلى الأسواق، ما سبّب حالة من الاحتقان لدى جماعات أنصار السنّة وجعلها توجّه اتهامات مباشرة لوزير الأوقاف بولاية الخرطوم باعتباره المحرض الرئيسي على ممارسة تضيق على السلفيين بصفه عامة، وأنصار السنة بصفه خاصة. وبدا واضحاً أن الصوفيين بتمريرهم ذلك القرار سيصيبون أنصار السنة في مقتل، ولا سيما أن تلك المنابر تمثل حلقة الوصل الوحيدة مع الجمهور الذي لا يقصد المساجد التي يخطب فيها أئمة ينتمون الى المنهج السلفي. ووفق تسريبات لـ«الأخبار» من داخل حكومة الولاية، فإن ثمة مخططات يقودها أحد النافذين تهدف الى أن يكون أئمة المساجد في مجمل الولاية منتمين الى الطرق الصوفية كشرط أساسي لتعيين الأئمة في المساجد التي تتبع لوزارة الأوقاف.