نواكشوط | باريس | أثار اعتقال مدير الاستخبارات الليبي السابق، عبد الله السنوسي، في موريتانيا أول من أمس، ردود فعل متباينة، حيث طالبت جهات عدة أهمها ليبيا والمحكمة الجنائية الدولية وفرنسا بتسلّم العقيد الهارب، الذي كان يوصف بأنه «الرجل الثاني» في نظام القذاقي.


وطلبت السلطات الليبية من نواكشوط ترحيله إلى طرابلس من أجل محاكمته على «الجرائم البشعة التي ارتكبها بحق الشعب الليبي، وفي مقدمتها تصفية 1800 سجين سياسي (إسلامي) في معتقل بوسليم، سنة 1996». وقال المتحدث باسم الحكومة الليبية ناصر المانع، في مؤتمر صحافي، إن السنوسي (62 عاماً) اعتقل صباح السبت في مطار نواكشوط، وكان برفقته شاب يُعتقد أنه ابنه، مشيراً إلى أنه كان يحمل جواز سفر مزوراً من مالي، وقد وصل من الدار البيضاء في المغرب.
أما القضاء الفرنسي فقد أصدر من ناحيته مذكرة لتسلّم السنوسي، وهو زوج شقيقة صفية فركاش (زوجة العقيد القذافي)، لأنه أدين بالسجن المؤبد من قبل القضاء الفرنسي، سنة 2003، لتورطه في عملية تفجير طائرة فرنسية في صحراء النيجر، سنة 1989، والتي خلّفت 170 ضحية مدنية.
وفي الوقت نفسه، تطالب منظمات حقوقية بأن يجري تسليم «الذراع اليمنى الدموية للقذافي» إلى محكمة الجنايات الدولية التي أصدرت أمراً بالقبض عليه، في حزيران الماضي، بتهمة ارتكاب جرائم بحق الإنسانية، خلال المواجهات مع الثوار في بنغازي، ولا سيما في ما يتعلق بإصدار أوامر بقصف المدنيين بالطائرات العسكرية، في الأسابيع الأولى للثورة.
لكن السلطات الموريتانية قد تقرر محاكمته في نواكشوط، بسبب تورطه في قضية مقتل رئيس الوزراء الموريتاني الأسبق، أحمد ولد بوسيف، الذي دبرت استخبارات القذافي عملية تدمير طائرته، سنة 1979.
ويقول خبير القانون الدولي، إبراهيم ولد أبتي، إن الحكومة الموريتانية ليست ملزمة قانوناً بتسليم السنوسي إلى العدالة الدولية، لأن موريتانيا ليست من الدول الموقّعة على اتفاقية التعاون مع المحكمة الجنائية الدولية. لكن ولد أبتي يستدرك قائلاً إن «التسليم ممكن، ولكنه يجب ألا يكون على أساس المذكرة الدولية، بل يجب أن توجّه محكمة الجنايات الدولية طلب تسليم مباشراً إلى الحكومة الموريتانية».
من جهته، أعلن المحامي الموريتاني، محمد الأمين ولد عبيد، استعداده لقيادة فريق من المحامين المتخصصين في القانون الدولي، للدفاع عن السنوسي. وفي ما يتعلق بمحاكمة السنوسي في موريتانيا في قضية مقتل رئيس الوزراء الأسبق ولد بوسيف، فإن الأمر، في رأي ولد عبيد، «لا يزال حتى الآن مجرد أحاديث صحافية، ولم يحصل أي إجراء قضائي ملموس لإعادة تحريك هذه القضية التي تعود إلى ثلاثة عقود مضت».
في فرنسا، على الرغم من مسارعة القضاء إلى إصدار مذكرة للمطالبة بتسلّم السنوسي، قد يضع تجاوب الحكومة الموريتانية مع هذا الطلب السلطات الفرنسية في موقف حرج. فالسنوسي يوصف بأنه «العلبة السوداء» لنظام القذافي، وتسليمه إلى فرنسا سيؤدي إلى إعادة محاكمته، لأن الحكم ضده أُصدر غيابياً، سنة 2003. مثل هذه المحاكمة قد تتحول إلى مسرح للكشف عن أسرار خطيرة ليس أقلها قضية التمويلات غير الشرعية التي يُشتبه في أن الرئيس نيكولا ساركوزي حصل عليها من قبل «مؤسسة القذافي الخيرية»، خلال حملة انتخابات الرئاسة الفرنسية، عام 2007. لذا، يرجّح العارفون بخفايا اللعبة الدبلوماسية الفرنسية أن تدفع باريس باتجاه تسليم السنوسي إلى السلطات الليبية لمحاكمته محلياً.