القاهرة | «بابا العرب». هكذا عرف البابا شنودة بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية داخل مصر وخارجها. مواقفه الوطنية وتدعيمه للقومية العربية جعلت منه زعيماً عربياً إلى جانب زعامته الروحية، بوصفه زعيم السلطة الدينية للأقباط الأرثوذكس في مصر وخارجها. «لا للاحتلال، لا للتهويد، لا للتدويل، لن نتنازل عن عروبة القدس». طالما ردد البابا شنودة تلك الكلمات، رافضاً أن يحج الأقباط إلى القدس قبل تحريرها من المحتل الإسرائيلي.


موقف البطرك الرقم 117 في تاريخ الكنيسة القبطية الرافض للتطبيع مع إسرائيل عرّضه للاضطهاد من الرئيس المصري السابق أنور السادات نتيجة رفض شنودة مرافقته إلى إسرائيل، وهو ما جعل السادات يتصيّد الأخطاء لرأس الكنيسة القبطية، بل ويعمد الى عزله من منصبه عام 1981 وتحديد إقامته في دير الأنبا بيشوى بوادي النطرون، في صحراء مصر الغربية لمدة 4 سنوات، وهو الدير الذي أوصى شنودة بأن يدفن فيه. وبعد اغتيال السادات، أعاد الرئيس المصري السابق حسني مبارك تعيينه على رأس الكنيسة القبطية عام 1985 كبداية لتحسن ملحوظ في العلاقة بين الدولة والكنيسة وفي أوضاع الأقباط الذين يشكلون نحو 10 في المئة من تعداد مصر، حسب تقديرات الكنيسة المصرية.
وترتب على تسجيل عدد من الأحداث الطائفية تصاعد الدور السياسي للبابا في احتواء هذه الأحداث الى جانب دوره الديني، وهو ما كان مثاراً للجدل والاستياء من البابا في بعض الأحيان، إذ أصبحت الكنيسة في عهده دولة داخل دولة، بعدما استطاع أن يجعل من الكنيسة وطناً يستوعب الأقباط، ومؤسسة شاملة مكلفة بأن تقدم الحلول لكل المشكلات والأجوبة لكل الأسئلة المتصلة بالدين والدنيا. فكان بمثابة صمام الأمان الذى يحد من الاستقطاب المستمر لأقباط المهجر باستغلال مشاعر غضب الأقباط في مصر مع تفجر الأزمات الطائفية بين الحين والآخر، ويحول أيضاً دون تراكم مشاعر الكره عند المسيحيين للنظام من التراخي الأمني الذي تسبب بقتل مئات المسيحيين في السنوات الماضية في أحداث الفتنة الطائفية. كما جنّب البابا شنودة مصر التدخل الأميركي في شؤونها، فكان دائم الرفض لاستقبال لجنة الحريات الدينية التابعة للكونغرس الأميركي. وكان لا يعتدّ بتقاريرها ولا يقبل بتوصياتها الرافضة لحالة الأقباط في مصر. البابا شنودة اعتاد التعبير عن غضبه من الاعتداء على الأقباط بالاعتكاف في الدير، والتزام الصمت وهو ما جنب مصر الدخول في حرب أهلية.
وكان تفرغ البابا شنودة للعمل الكنسي وتربعه على كرسي البابوية ما يقرب من 14 عاماً قد سبقه انخراط في عدد من المهن. فـ«نظير جيد روفائيل»، وهو الاسم الحقيقي للبابا شنودة الثالث، الذي وُلِد في 3 آب 1923، أديب وشاعر وصحافي.
التحق بجامعة فؤاد الأول، في قسم التاريخ، وبدأ بدراسة التاريخ الفرعوني والإسلامي والتاريخ الحديث، وحصل على الليسانس بتقدير (ممتاز) عام 1947. كما عمل شنودة مدرساً للتاريخ، وحضر فصولاً مسائية في كلية اللاهوت القبطي، وكان تلميذاً وأستاذاً في الكلية ذاتها في الوقت نفسه. عُرف عنه حب الكتابة وخاصة القصائد الشعرية، عمل مدرساً لسنوات عدة، ثم رئيساً للتحرير في مجلة مدارس الأحد. وفي الوقت الذي كان يتابع فيه دراساته العليا في علم الآثار القديمة، عمل ضابطاً برتبة ملازم في الجيش المصري أيضاً قبل أن يُرسّم راهباً عام 1954. كذلك عمل سكرتيراً خاصاً للبابا كيرلس السادس عام 1959. وفي عهده زادت الأبرشيات، كما تم إنشاء عدد من الكنائس داخل مصر وخارجها، فضلاً عن كونه أول بطريرك يقوم بإنشاء العديد من الأديرة القبطية خارج مصر، وإعادة تعمير عدد من الأديرة التي اندثرت. البابا تمتع بكاريزما جعلته شخصية محبوبة من المسلمين الى جانب المسيحيين، فربطت بينه وبين الأزهر والقيادات الإسلامية علاقات طيبة بدأت عام 1986 بإقامة موائد للوحدة الوطنية في شهر رمضان، بمقر البطريركية أطلق عليها (مائدة العائلة المصرية). وقد امتدت الفكرة إلى كثير من الأبرشيات والكنائس والهيئات داخل مصر وخارجها. حرص شنودة على حضور كل المناسبات الوطنية المصرية، فلم تفته أية مناسبة وطنية. وكان من المشاركين في الاحتفال برفع العلم المصري على طابا يوم 19 آذار 1979، ورفع العلم المصري على العريش يوم 26 أيار 1979. من أبرز مقولاته «مصر وطن نعيش فيه ويعيش فينا، وما يمسّه يمسّنا».