غزة | كان لافتاً التزام حركة «الجهاد الإسلامي» بالتهدئة في قطاع غزة، بعد أربعة أيام من التصعيد الإسرائيلي الأخير، الذي وقفت «الجهاد» وحيدة في مواجهته، بعدما قررت «حماس» عدم المشاركة بمقاتليها. هذا الالتزام القطعي والفوري كان غريباً على نهج «الجهاد» التي عُرف عنها لسنوات طويلة رفضها التهدئة، وغالباً ما كانت تحتاج الحركة إلى وقت لإلزام مقاتليها تدريجياً بأي هدنة. ويعزو مراقبون التزام «الجهاد» بالتهدئة الأخيرة، التي توسطت فيها مصر، إلى حالة «التنسيق» غير المسبوقة في علاقتها مع «حماس». وبحسب معلومات متقاطعة، من مصادر في الحركتين تحدثت إلى «الأخبار»، فإن العلاقة بينهما «لم تكن يوماً بأفضل حالاً مما هي عليه الآن، في ظل التنسيق في كثير من الأحداث للخروج بموقف واحد أو غير متناقض».

هذا ما كشف عنه عضو المكتب السياسي لحركة «حماس»، محمود الزهار، إثر تنامي الحديث عن الوحدة الاندماجية، عندما أشار إلى أن الحركتين تتجهان لتأليف «قيادة تنسيق عليا» لتوحيد المواقف. ورغم تصريحات قادة في الحركتين تفيد بأن الوصول إلى الوحدة الاندماجية الكاملة يبقى «هدفاً على المدى البعيد»، ويحتاج إلى «نضوج ووعي»، تشير علاقة الحركتين حالياً إلى تطور إيجابي كبير لم يشهده تاريخ العلاقة بين الحركتين، التي ظلت قائمة على التنافس في ساحة المقاومة، والساحة الداخلية، وتحديداً في ما يتعلق بتمثيل الشارع الإسلامي الفلسطيني، الذي وصل إلى حدّ الاحتكام إلى السلاح لحسم «حرب» السيطرة على المساجد. ولم يكن «عادياً» في سنوات قريبة مضت، أن تسمع مديحاً من حركة للأخرى أو ثناءً على عملها، كدفاع القيادي في «الجهاد» خالد البطش عن «حماس»، إثر تعرضها لنقد لاذع على خلفية غيابها عن ساحة المواجهة مع الاحتلال في التصعيد الأخير، وكانت المفاجأة أن البطش قال إن «حماس والحكومة في غزة لم يكونا بعيدين عن المواجهة، بل كانتا داعمتين للمقاومة». وفي حين لفت البطش إلى أن وجود حركة «الجهاد» في مقدمة المواجهة مع العدو «سيكسبها المزيد من الثقة المتنامية بها في الشارع الفلسطيني»، فإنه عاد واستدرك بأن «نجاح المقاومة في صدّ العدوان الغاشم لا يحسب أو يسجَّل فقط لحركة الجهاد، بل لكل المقاومة والشعب الفلسطيني، بما في ذلك حركة حماس».
ويعتقد مراقبون أنّ التطور الملحوظ في علاقة الحركتين، وجدية الحديث عن الوحدة الاندماجية بينهما، بدءاً من «تنسيق» المواقف كخطوة أولى، قد يعودان إلى صعود نجم حركات «الإسلام السياسي» وتصدّرها المشهد في دول «الربيع العربي»، وكثير من دول المنطقة. ورأى هؤلاء أنّ الحركتين وصلتا إلى مرحلة من «النضج» تسمح لهما بإدراك أهمية الانتقال من التنافس والتناقض إلى التنسيق والتعاون، بما يحقق لهما النجاح معاً على الساحة الفلسطينية في أي مواجهة مع فصائل تناقض مشروعهما الإسلامي، وفكرهما النابع من مصدر واحد هو «الإخوان المسلمين». فلولا تأخير «الإخوان» العمل المسلح، لما خرج فتحي الشقاقي ورفاقه من عباءة الجماعة عام 1981، لتأسيس «الجهاد» كحركة تحقق لهم طموحهم في مقاومة الاحتلال واللحاق بركب حركة «فتح» والفصائل اليسارية التي سبقت في انتهاج المقاومة عقب هزيمة حزيران 1967.
ومنذ تأسيس «الجهاد»، والعلاقة مع «الإخوان» يميّزها «التأرجح» مع الميل نحو الحياد. غير أن العلاقة مالت إلى العداء والتنافس مع تأسيس «حماس» كذراع عسكرية للجماعة في فلسطين، مع اندلاع الانتفاضة الأولى عام 1987، فرأت «الجهاد» أن «حماس» تزاحمها في ساحة المقاومة وتمثيل الشارع الإسلامي. وبعد مرور نحو ثلاثة عقود على هذه الحال، تبدو القواسم المشتركة الآن أكبر من الخلاف، وإن تباينت اجتهادات الحركتين وأولوياتهما، تحديداً في الحقل السياسي.
وإلى جانب التباين في الموقف السياسي، ورفض «الجهاد» الانخراط في مؤسسات السلطة الفلسطينية، التي أفرزتها اتفاقية «أوسلو»، والمشاركة في الانتخابات، ربما خشية «الجهاد» من الذوبان هي ما تعوق تحقيق الوحدة الاندماجية مع حركة المقاومة الإسلامية كتنظيم أكبر، في المدى القريب، ما يجعل من «قيادة التنسيق العليا» الخيار الأمثل الذي يحقق للحركتين أهدافاً ويؤجل أخرى إلى مدى بعيد تتحقق فيه الوحدة الاندماجية الكاملة.