كل ما شهده العام الماضي من تصعيد أمني وسياسي بين السلطات التركية والقوميين الأكراد، تُرجم أمس وفي الأيام الماضية ميدانياً، بمناسبة حلول عيد النوروز، لتتحول المدن ذات الكثافة السكانية الكردية إلى شبه ساحات معارك أعادت إلى الأذهان مشاهد أعوام منتصف الثمانينيات والتسعينيات. منع الاحتفالات وإلغاؤها في «عاصمة الأكراد» دياربكر، ومواجهات بين «المحتفلين» والشرطة، وسقوط قتلى وجرحى في مناطق مرسين وباتمان وشيرناك وفان وحقاري... باختصار، كل ما ينذر أو ما يزيد من مخاطر انفجار الأوضاع تماماً في البلاد كان حاضراً أمس.


الحصيلة كانت 6 قتلى من رجال الأمن، 5 منهم سقطوا في هجوم عسكري نفّذه مقاتلو حزب «العمال الكردستاني» في منطقة شيرناك، وشرطي توفي بعد إصابته أول من أمس عندما كان يحاول مع وحدته منع تظاهرة بمناسبة عيد النوروز في محافظة شيرناك أيضاً، إضافة إلى سقوط عدد كبير من الجرحى، بينهم 4 من ضباط الشرطة في يوكسيكوفا بإقليم هكاري على الحدود مع ايران وشمال العراق، إضافة إلى إصابة أحد أبرز النواب الأكراد، أحمد تورك، ما أدى إلى نقله إلى المستشفى. وقال شهود إن تورك أصيب بالغاز المسيل للدموع في بلدة باتمان، كما تحدثت تقارير عن توجيه الشرطة لكمات إليه، وهو ما نفته الشرطة في وقت لاحق. وفي السياق، أكدت النائبة الكردية أيصل توغلوك أن تورك تعرض للاعتداء من قبل 15 شرطياً.
وقد أطلقت الشرطة التركية الغاز المسيل للدموع وخراطيم المياه خلال اشتباكات مع آلاف المحتجين الأكراد الذين تجمعوا في احتفالات العام الكردي الجديد، لأنها نُظمَت من دون الحصول على ترخيص في مدن جنوب شرق البلاد، وذلك غداة دعوة كل من حزب «السلام والديموقراطية»، الممثل الشرعي للقوميين الأكراد في تركيا، وحزب «العمال الكردستاني»، إلى احتجاجات كبيرة بمناسبة العيد الكردي الأهم على الإطلاق.
وكانت الشرطة قد فرّقت تظاهرات مماثلة في إسطنبول وفي أنحاء البلاد طيلة الأيام الماضية. ووصلت تعزيزات من الشرطة إلى مرسين من أنقرة وغازي عنتاب وغيرها، بعدما منع حاكم المدينة المتظاهرين من الاحتفال بالعيد. وكانت القوى الأمنية قد اشتبكت مع مواطنين أكراد حاولوا الاحتفال بعيد النوروز يوم الأحد، وشددت السلطات على أنها لن تسمح بالاحتفالات إلا يوم الأربعاء (أمس) وفي الأماكن التي حددت مسبقاً لها حصراً، وذلك رداً على طلب «الديموقراطية والسلام» بتنظيم احتفالات يوم الأحد.
وكالعادة، كانت صور وشعارات رئيس «العمال الكردستاني»، عبد الله أوجلان المسجون في جزيرة إمرلي، هي الطاغية على تظاهرات العيد. وقد برّرت السلطات إلغاء احتفالات النوروز أمس في محافظة فان، بحجة عثورها على متفجرات في الساحة التي كان من المفترض أن تحتضن التجمعات الشعبية. ووفق التقارير، أُلغيت الاحتفالات الرسمية التي كانت مقررة في كبرى المدن الكردية، دياربكر، حيث أصيب شرطي بتفجير عبوة قرب مقر حزب «العدالة والتنمية» الحاكم، لكنّ ذلك لم يمنع رئيس «السلام والديموقراطية» صلاح الدين ديميرتاش من إلقاء خطاب ناري بين أنصاره في المدينة، وهو ما تلته اشتباكات مماثلة لتلك التي حصلت في مدن أخرى. وفي منطقة شانليورفا، أشارت صحيفة «توداي زمان» الموالية إلى مشاركة 12 ألف كردي في الاحتفالات «رغم التضييق الأمني الكبير» على المشاركين في إحياء المناسبة.
وكان الرئيس التركي عبد الله غول قد وجّه خطابه بمناسبة العيد، ودعا «الجميع إلى التزام التهدئة وعدم إفساح المجال لمحاولات التسبب بالأذى لأجواء السلام والأخوّة بين الأتراك»، مشدداً على أن «تنوّعنا (الإثني) هو ثروتنا الأكبر». وأشار إلى أن «جميع المواطنين متساوون في هذه الأمة بغض النظر عن جذورهم القومية ولغاتهم وإيمانهم وقناعاتهم السياسية». أما رئيس الحكومة، رجب طيب أردوغان، ففضل إبقاء الطابع الإنشائي الاحتفالي في خطابه، إذ قال «سنحيي هذا اليوم بقلوبنا وبأيدينا المتشابكة».
يُذكَر أنه حتى اليوم، لا يزال عيد النوروز (21 آذار) يوم عمل عادياً، رغم أنه بات يعدّ منذ بضع سنوات، عيداً رسمياً.
وتزامنت النسخة الأخيرة من احتفالات عيد النوروز مع أجواء توتر كبير جداً بين الأتراك وحكومة أردوغان، وخصوصاً مع تعثر الاتفاق على خطة جديدة لحل القضية الكردية، ومبادرة السلطات إلى شنّ حملة قضائية ـــــ أمنية كبيرة ضد رموز كردية، سياسية وحقوقية واعلامية، وهو ما يردّ عليه «العمال الكردستاني» غالباً بعمليات عسكرية كانت الأكبر خلال العام الماضي، مقارنةً بالسنوات الماضية الأخيرة، رغم استمرار الحملات العسكرية للجيش التركي في جنوب شرق البلاد، وداخل أراضي كردستان العراق حتى.
(الأخبار، أ ف ب، رويترز، يو بي آي)