بغداد | «لا تسألنا، روح إسأل الحجي أبو إسراء». هذا هو الجواب الوحيد الذي يأتيك به رجال الأجهزة الأمنية لدى سؤالك عن كل هذا الزحام وقطع الطرق الذي تشهده بغداد هذه الأيام. ثمة جنود عبّروا عن تململهم من الخطة الأمنية لحماية بغداد قبل انعقاد القمة العربية المرتقبة. ما إن تبادر إلى الحديث مع أحدهم عن عذاباتك وانتظارك لساعات حتى تجتاز حاجزاً أمنياً وأنت في طريقك إلى مقر عملك، حتى يبادرك بالقول: «يا أخي، شو سوّيلكم، آني هنا عبد مأمور»؛ هذا الجندي الذي لم يرَ زوجته وابنتيه منذ أسبوعين، وحتى قبل إعلان السلطة لحالة الإنذار (ج)، هو أيضاً متعب وناقم على توجيهات السلطات العليا، لكن ما باليد حيلة، فـ«الحجي» (لقب رئيس الوزراء العراقي بين مريديه)، بوصفه القائد العام للقوات المسلحة ووزير الدفاع ووزير الداخلية بالوكالة، هو أيضاً يدير جهاز الاستخبارات، وبيده كذلك دائرة الأمن الوطني.


ولأنّه يُمسك بكل هذه المؤسسات الخطيرة والمهمة، يكون أول من يرد ذكره على ألسنة الجنود المرابطين في الشوارع من دون حتى استراحة بسيطة. وفي ثنايا أحاديث الناس التي وصلت إلى مرحلة اليأس التام من الطبقة السياسية الحاكمة، سبق أن شهدنا فشلها في تنظيف أحياء بغداد، وها هي تجدد فشلها في خطة أمنية تقتضي أن يمشي الموظفون عشرات الكيلومترات كي يصلوا إلى أماكن عملهم، ذلك أن الطرق مقطوعة وأعداد نقاط التفتيش تضاعف، ومعها ترى مئات السيارات وهي في طابور لا يتحرك. نسمع من سائق سيارة أجرة صفراء متوقفة في شارع السعدون: «وينهم شباب ساحة التحرير، ما يطلعون يتظاهرون ويخلصونا من هذا القرف».
أخذ وردّ مع جنود منتشرين على طريق لا يمكن اجتيازها إلا سيراً على الأقدام منذ ضرب العراق صباح الثلاثاء الماضي 20 هجوماً (بسيارات مفخخة وعبوات ناسفة) في 14 محافظة عراقية، في يوم دموي جديد يضاف إلى أيام العراق المكتظة بأخبار الموت المجاني. الزحام يتعاظم وصرخات الناس تزداد. تشعر وكأن البلاد تتأهب لمواجهة انقلاب عسكري قادم لا محالة. جنود يلوحون ببنادقهم لإشعار المارة بأنهم مستعدون لمواجهة أي طارئ، لكن بعد ماذا؟ وهل يا ترى صحيح ما ذكره رجل أمن أنه «مكلف الوقوف في أحد شوارع بغداد التي لم يرها في حياته» لكونه من إحدى محافظات العراق الجنوبية، وهو لا يعلم ما معنى أن يقف في هذا الشارع وحده، بما أنه «لا معلومات، لا تنسيق استخبارياً، فقط راوح بمكانك هذا واجبك». كأنّ الارتجال في معالجة الملف الأمني حاضر ومكشوف لأبسط العراقيين وعياً ودراية بخفايا الأمور.
غير أن الصورة لا تقتصر فقط على الجنود المتضامنين مع معاناة شعبهم والملتاعين من هذا الفشل الصارخ، حيث يرسم مشهد اعتراض عدد منهم على شاب بشعر طويل، وهم يصرخون بوجهه «ولك ايمو، مو ديشيلوكم (ما داموا يتخلصون منكم) من الشوارع شعندك طالع (ماذا تفعل عندك)؟». يكمل الأخير سيره من دون أن يلتفت إليهم. هذا الموقف وغيره من حالات تحرش رجال «شرطة وطنية» و«جيش عراقي» بالموظفات اللاتي قطعن مسافات طويلة للعودة الى منازلهنّ، مجبرات على ذلك، لا يفضيان إلا إلى قناعة واحدة مفادها أن «صورة المستقبل لن تكون أقل سوداوية بوجود هكذا عناصر، تعبر المفخخات من بين أيديها، ولا تفوّت فرصة التندُّر على شباب الايمو والنساء السافرات».
حال حركة المرور في الشوراع المفتوحة، القليلة طبعاً، تذكرنا هي الأخرى بالأيام الأولى لسقوط نظام صدام حسين؛ سيارات تهرب من الزحام وتقطع طريقها عكس السير، وشرطي المرور يصيح «يابا دروح اضرب السير بقت عليك خربانة للأخير»، يقول ذلك لصاحب سيارة هرب من وسط بغداد صوب أحد الشوارع الفرعية المؤدية الى شارع النضال.
مع ذلك كله، تصاعدت تحذيرات لنشطاء مدنيين واعلاميين معروفين، بأن يتركوا التعليق هذه الفترة على الفوضى وسوء الإدارة الظاهرين في استعدادات بغداد لقمتها العربية، بل إن البعض نصحهم بمغادرة العاصمة حتى نيسان المقبل، فالمهم أن يحصل هذا الحدث، ما دامت السلطة تريد من الإعلام دعم خطواتها وتقديم كل ما يمكن في سبيل ذلك، مهما كانت الحقائق على الأرض.
وما إن أعلنت الحكومة تعطيل الدوام الرسمي اعتباراً من يوم الأحد المقبل وحتى 1 نيسان، وقبل أن تُزال آثار السيارات المفخخة وتُغسل دماء الضحايا المتناثرة، أخذت عائلات بشراء ما ستحتاج إليه من مؤن وحاجيات، بينما استثمر الصبية هذا الاستنفار الأمني وقطع الطرق، لجعل شوارع أحيائهم ساحات للعب كرة القدم، فما من سيارة أو حافلة ستعكّر صفو صبيان العراق، قبيل موعد حظر التجوال الجزئي منتصف الأسبوع المقبل.
هكذا ستستقبل بغداد القادة العرب، ومع أن شوارعها صامتة قسراً، لكنها ستحيي زعماء أمة الضاد «من نجد الى يمن الى مصر فتطوان».