طوال فترة مناقشات دول النواة الصلبة لمؤتمر «أصدقاء سوريا»، المقرر مطلع الشهر المقبل، ظل المندوب الأميركي صامتاً ومكتفياً بالاستماع إلى ما يطرح من نقاشات ومداخلات. مستشار الأمن القومي لنائب الرئيس الأميركي، أنطوني بلنكن، يفسّر سبب هذا الحرص الأميركي على الصمت في الاجتماعات التحضيرية لمؤتمر أصدقاء سوريا بالقول: «إن الإدارة الأميركية تعيد النظر يومياً بسياستها تجاه سوريا، وهي قابلة للتطور باستمرار. لكن يبقى هناك شيء ثابت في تفكير واشنطن الاستراتيجي، وفي مقاربتها للوضع السوري، وهو أن تغيير النظام السوري سيكون أكبر تحول استراتيجي في المنطقة، نظراً إلى ارتباط سوريا الراهن بإيران التي تشكل لنا التحدي الاستراتيجي الأول».


لكن بلنكن، كما نائب الرئيس الأميركي جوزيف بايدن، يؤكد في لقاءاته بالدبلوماسيين العرب أن تنحي الرئيس بشار الأسد أصبح ضرورة، ولا يمكن العودة بهذا الموضوع إلى الوراء. ويضيف «لقد بدأت أعمدة النظام تتآكل ولو لم تتحطم بعد». ويعدد بايدن إشارات السقوط، بحسب تقدير الاستخبارات الأميركية، «حالات هروب تصل إلى حد الانشقاقات داخل مؤسسة الجيش السوري، تعاظم وتيرة هروب رجال الأعمال السوريين وعائلاتهم إلى دول الجوار، وتدهور الوضع الاقتصادي والمالي». ثم يكشف أنه مع ذلك، «فإن الأزمة طويلة العمر في سوريا. وأحد الأسباب المهمة لبطء مسار التغيير هناك، هو وضع المعارضة السورية غير المتماسك، وغير القادرة، حتى الآن، على التوحد، وإصدار وثيقة تلتزم من خلالها باحترام حقوق الأقليات». لكن بلنكن، في آخر محادثة له مع مسؤول عربي، يستدرك قائلاً، «إن البيان الأخير الذي أصدره «الإخوان المسلمون» السوريون، تضمن عناوين إيجابية».
ويجمع أكثر من تقرير دبلوماسي ورد إلى وزارات الخارجية العربية، خلال الفترة الأخيرة، على معطيات لافتة، أبرزها أنه رغم ترحيب الإدارة الأميركية بمسعى أنان، إلا أنه ضمناً لا يخفي كبار المسؤولين في الإدارة الأميركية التعبير عن «رؤية مغايرة» لمستقبل الوضع في سوريا، تنطلق من مسلّمة أن تنحّي الرئيس الأسد هو بحكم الضرورة مع مهمة أنان أو بدونها. ويصل هذا التناقض بين المخفي والمعلن في الموقف الأميركي، حينما يقول بايدن ويردد وراءه أكثر من موظف كبير في الخارجية الأميركية إن تقويم واشنطن الحقيقي لمسعى أنان «هو أنه الجواب الأصلح اليوم»، مع التشديد على «عبارة اليوم»، وعلى «أن إدارة أوباما هي التي تقف وراء مهمته»، لكن مع ذلك، فإن واشنطن تشدد على اختلافها مع مهمته في نقطة جوهرية، وهي «الإصرار على عدم الموازاة بين المعارضة والنظام السوري، لجهة استخدام العنف، فالمعارضة تدافع عن نفسها»، وهذه نقطة تصرّ عليها الإدارة الأميركية في أي مقاربة لها للموضوع السوري، بحسب ما يقول بلنكن.
ويكيليكس عربي
يقول الدبلوماسي العربي، الذي كان له قبل أيام قليلة لقاء مع شخصية عالية المستوى في إدارة أوباما، إن الأخير روى تفاصيل عن حقيقة مواقف دول عربية من النظام السوري. ويرسم المسؤول الأميركي، في حديثه عن هذه النقطة، ما يمكن تسميته مواقف الخناجر العربية المسمومة، إذ يقول: «في الجوهر، وتحت الطاولة، هناك شبه توافق دولي على ضرورة تنحي الأسد. لكن المقاربة للتعاطي مع الوضع السوري، بالرغم من التقائها على ضرورة رحيل الأسد، تتمايز بين دولة وأخرى، بحسب بعدها أو قربها الجغرافي عن سوريا، ووفقاً لمصالحها أيضاً. فمصر مثلاً، بحسب ما ينقل إلينا الفرنسيون المنخرطون في التحضير لمؤتمر «أصدقاء سوريا» تتخذ مواقف ضبابية بخصوص الأزمة السورية، ودائماً يتحدث المصريون بشكل متزايد عن قلقهم من السلاح الذي يدخل إلى سوريا من ليبيا، الأمر الذي يشكل على المدى المتوسط والبعيد مشكلة لمصر، إذاً، لا بد من أن يعود هؤلاء المسلحون الليبيون إلى بلدهم، ويستعملوا قوة السلاح في الداخل، ما يشكل خطراً على جارتهم مصر. ويخشى المصريون من تحول هذه الظاهرة المقلقة، في المستقبل، إلى حالة يطلقون عليها مجازاً تسمية الأفغان الليبيين».
أما عن موقف العراق، فينقل الدبلوماسي العربي عن الشخصية الأميركية عينها قولها إن «واشنطن مهتمة بعودة هذا البلد ليلعب دوراً مهماً في العالم العربي. وإدارة أوباما معنية بنجاح قمة بغداد العربية، لإظهار مكانة العراق المستعادة كنتيجة للتدخل الأميركي الذي أنقذه من حكم صدام حسين، وفتح أمامه آفاقاً جديدة. ولدى الإدارة الأميركية تقدير إيجابي لرئيس الحكومة هناك نوري المالكي، فهو شخص قوي وعراقي من الدرجة الأولى، صحيح أنه منفتح على إيران بحكم حاجته إلى مراعاة تركيبة بلده الداخلية، لكنه يسعى من جهةٍ ثانية إلى الانفتاح على العالم العربي». ويرى المصدر أن العراق تقدم خطوات كبيرة باتجاه عودته إلى العالم العربي، ولا سيما عبر انفتاحه على الكويت وتسوية بعض الخلافات المزمنة معها، وإعادة فتح العلاقات الدبلوماسية مع السعودية، وهذه أمور مطلوبة أميركياً. كما شكل موقفه بعدم دعوته سوريا لحضور القمة العربية رسالة تضامن من قبله مع المجتمع العربي والدولي على السواء. وهذا أمر تثمنه أيضاً الإدارة الأميركية عالياً». ووفقاً للمصدر: «تعرف واشنطن أن المالكي لا يحب الإيرانيين، فهو كان لاجئاً في إيران خلال حكم صدام حسين، لكنه اضطر إلى الهروب منها خوفاً من ملاحقة السلطات الإيرانية له. بكلام آخر، فهو في العمق لا يكنّ الود لطهران، لكن تركيبة بلاده تضطره إلى الانفتاح على طهران وتطوير علاقته بها». ويضيف الدبلوماسي العربي، عن لسان الشخصية الأميركية، إن العراق يعتبر أن العقوبات الاقتصادية والمالية الدولية لن تؤثر بالشكل الكافي على نظام الأسد. وهو يفضل التعامل معه على الطريقة اليمنية.
أما الأردن، الذي يشعر بضغط كبير عليه من السعودية وقطر، فهو يرى أن «على الأسد أن يرحل. لكن في الأردن يتم بالمقابل طرح شعار الخوف على الدار، بدعوى أن نتائج الفوضى في سوريا ستطاوله بشرور مستطيرة».
ويختم الدبلوماسي العربي بالقول ربما كانت مندوبة الولايات المتحدة في مجلس الأمن، سوزان رايس، قد أحسنت التعبير عن رؤية بلدها لمهمة أنان، وذلك خلال جلسة الاستماع المغلقة إليه، عندما قالت «الهدف من المهمة كما تراها إدارة أوباما هو تحقيق تطلعات الشعب السوري، وحمل الحكومة على وقف العنف والسماح بالتظاهر السلمي».