وكأنها لعبة متقنة الأدوار سعت في خلالها الأطراف جميعها إلى عدم تجاوز السيناريو المتفق عليه منعاً لتفجير ليس في مصلحة أحد. وكأن الجميع كان يريد إمرار هذا الاستحقاق بأقل خسائر ممكنة. هذا على الأقل ما عبرت عنه كلمات المشاركين، ومعها المقررات حيث كانت سوريا النجم الحاضر الغائب. وفي نهاية المطاف، حصل الجميع على مبتغاه:

العراق عاد إلى القمة التي نجح في تأمين انعقادها بالحد الأدنى المقبول. لا خروقات أمنية عكّرت الأجواء. كل الدول العربية شاركت بمستويات مختلفة. أمّن حضور 10 رؤساء بينهم جلال الطالباني. نجح في الحؤول دون تصعيد السقف ضد سوريا بما يتجاوز «مقترحات أنان» خاصة في ما يتعلق بتنحي الرئيس واستدعاء التدخل الخارجي. والأهم من كل ذلك أنه حصل على اعتراف عربي بالوضع القائم فيه.
كذلك الأمر بالنسبة إلى السعودية وقطر، رأس الحربة في مواجهة الحكم الشيعي في العراق ونظام بشار الأسد في سوريا، فقد نجحتا في الحؤول دون إثارة ملف البحرين في خلال القمة، وانتزعتا إقراراً عربياً بـ«جريمة حرب ارتكبت في بابا عمرو»، من دون أن تتمكنا من فرض بند يدعو مجلس الأمن إلى اصدار قرار ضد سوريا مبنيّ على المقررات السابقة للجامعة العربية.
حتى سوريا، الغائب الذي تصدر القمة، حصلت على ما أرادت: سلّمت قطر رئاسة القمة إلى «الشقيق الأكبر العراقي»، وسلّم العرب بأن الملف السوري أكبر منهم حيث بات حلقة مفصلية على الطاولة الدولية، وخاصة بين الولايات المتحدة وروسيا.
وهكذا، في اختتام أعمال القمة الأولى التي تنظمها بغداد منذ 22 عاماً، عقد كل من الأمين العام لجامعة الدول العربية، نبيل العربي، ووزير الخارجية، هوشيار زيباري، مؤتمراً صحافياً خصص لتلاوة مقررات اجتماع الجامعة العربية. وبحسب ما جاء في «اعلان بغداد»، وجه القادة العرب، الذين عقدوا أمس جلستين الأولى علنية والثانية مغلقة نوقش فيها البيان الختامي، دعوة إلى «الحكومة السورية وكافة أطياف المعارضة إلى التعامل الإيجابي مع المبعوث المشترك (كوفي انان) لبدء حوار وطني جاد يقوم على خطة الحل التي طرحتها الجامعة وقرار الجمعية العامة للأمم المتحدة» الخاص بذلك.
كذلك طالب القادة العرب في القمة، التي غاب عنها جميع زعماء دول الخليج باستثناء أمير الكويت الشيخ صباح الأحمد الصباح، المعارضة السورية بكافة أطيافها «بتوحيد صفوفها واعداد مرئياتها من أجل الدخول في حوار جدي يقود إلى تحقيق الحياة الديموقراطية التي يطالب بها الشعب السوري». وطالب «القادة والملوك والرؤساء العرب الحكومة السورية بالوقف الفوري لكافة أعمال العنف والقتل»، ودعوا «إلى سحب القوات العسكرية والمظاهر المسلحة من المدن والقرى السورية وإعادة هذه القوات إلى ثكنها دون أي تأخير». كما أكدوا على «موقفهم الثابت في الحفاظ على وحدة سوريا واستقرارها وسلامتها الاقليمية وتجنيبها أي تدخل عسكري». من جهةٍ ثانية، أدان القادة العرب «الانتهاكات الخطيرة لحقوق الانسان في حق المدنيين السوريين»، معتبرين أن «مجزرة بابا عمرو المقترفة من الأجهزة الأمنية والعسكرية السورية ضد المدنيين جريمة ترقى إلى الجرائم الانسانية». ولم يتضمن البيان أي دعوة إلى إصدار قرار من مجلس الأمن، فيما كان مشروع القرار الذي وزّع قبل يومين يدعو مجلس الأمن إلى «اصدار قرار يستند إلى المبادرة العربية وقرار الجمعية العامة للأمم المتحدة لوقف العنف».
المصالحة الفلسطينية
أما في الموضوع الفلسطيني، فأدان القادة العرب الانتهاكات الإسرائيلية المستمرة على الشعب الفلسطيني وعلى الأراضي العربية المحتلة بشدة، مؤكدين على «ضرورة تفعيل القرارات العربية والإسلامية والدولية في مواجهة ممارسة القمع والانتهاكات الإسرائيلية في غزة وعموم الأراضي الفلسطينية المحتلة».
ورأى القادة العرب «المصالحة الفلسطينية ركيزة أساسية ومصلحة عليا للشعب الفلسطيني»، داعين القيادة الفلسطينية إلى الالتزام بتنفيذ اتفاق المصالحة الوطنية الفلسطينية لوضع حد للخلافات والانقسام الفلسطيني الداخلي وتوحيد الجهود من أجل إجراء انتخابات جديدة وتشكيل حكومة وحدة وطنية.
كذلك أعربوا عن دعمهم الكامل لمدينة القدس وأهلها، مؤكدين أن «القدس الشرقية جزء لا يتجزأ من الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967» في موازاة تشديدهم على «ضرورة التوصل إلى حل عادل للصراع العربي - الإسرائيلي على أساس الشرعية الدولية ومبادرة السلام العربية».
ومن بين القضايا الاضافية التي تطرق إليها «إعلان بغداد» الأوضاع في السودان، مؤكداً «دعم السودان الشقيق في مواجهة كل ما يستهدف النيل من سيادته وأمنه واستقراره، وثمنوا إيفاء السودان بمستحقات السلام في إطار اتفاقية السلام الشامل». وفي الشأن الليبي، رحّب القادة العرب «بالتطورات المهمة التي شهدتها ليبيا». وأكدوا «الدعم القوي للجهود المبذولة من جانب المجلس الوطني الانتقالي والحكومة الليبية لتحقيق الأمن والاستقرار اللازمين للانتقال بليبيا إلى إقامة دولة ديموقراطية».
كذلك، أشاد القادة العرب «بالتطورات والتغييرات السياسية التي جرت في المنطقة العربية وبالخطوات والتوجهات الديموقراطية الكبرى والتي رفعت مكانة الشعوب العربية وعززت من فرص بناء الدولة على أسس احترام القانون وتحقيق التكافل والعدالة الاجتماعية، وحيت القمة الشعوب التي قادت هذه الخطوات». وشدد القادة العرب على «ضرورة تسوية الخلافات العربية بالحوار الهادف البنّاء، وبالوسائل السلمية والعمل على تعزيز العلاقات العربية - العربية وتمتين عراها ووشائجها والحفاظ على المصالح القومية العليا للأمة العربية».
عودة إلى القمّة
وعقب تلاوة مقررات قمة بغداد، أجاب العربي وزيباري على مجموعة من الأسئلة الصحافية طغت عليها الأزمة السورية، فضلاً عن أهمية انعقاد القمة في بغداد. وأكد الأمين العام لجامعة الدول العربية أن «هناك ظاهرة برزت وهي قبول سوريا بنقاط المبعوث الدولي والعربي الى سوريا كوفي أنان الست»، مضيفاً «لا بد أن نرى التنفيذ كاملاً وفورياً وهذا لم يحدث حتى الآن ونأمل ان يتم».
ورداً على سؤال، أوضح العربي أن الرئيس السوري بشار الأسد «أعطي أكثر من فرصة والموضوع انتقل الى مجلس الأمن»، لافتاً إلى أن «عدد المراقبين العرب كان محدوداً، لكن الأمم المتحدة عندما ترسل مراقبين فسيكون هناك وقف إطلاق نار حقيقي».
من جهته، أقرّ وزير الخارجية العراقي هوشيار زيباري بأن «الأزمة السورية أخذت الحيز الأكبر من المباحثات إلى أن توصلنا الى صيغة مقبولة من الجميع».
وأضاف: الأزمة السورية «دخلت الى دائرة التدويل»، قبل أن يشير إلى أن «نائب المبعوث الدولي الى سوريا (ناصر القدوة) حضر إلى القمة وأوجز لنا آخر التطورات».
كذلك، أشار زيباري إلى أن اعلان بغداد «هو وثيقة أساسية عكست وجهة نظر العراق»، مضيفاً «أخذنا كافة ملاحظات الوفود العربية التي ادخلناها الى هذا الاعلان وكان عليه اجماع وطني».
من جهةٍ ثانية، شدد زيباري على أن القمة العربية في بغداد كانت ناجحة بكل المعايير والمقاييس. ولفت إلى أن انعقاد «قمة بغداد» أثبت «نجاح العراق وعودته من العزلة الى القمة، وهو أكبر انجاز»، مشدداً على أن «الحكومة نجحت في ادارة انعقاد القمة العربية في العاصمة بغداد وجميع مفاصلها عملت كخلية نحل، بالاضافة الى دعم الامين العام للجامعة العربية نبيل العربي، وكسبنا الرهان لصالح العرب فضلاً عن العراق».
كذلك، أعرب زيباري عن ارتياح بغداد لمستوى التمثيل الذي شمل 9 من القادة العرب إلى جانب الرئيس العراقي جلال الطالباني، مؤكداً أن التمثيل «كان جيداً جداً تحت الظروف الراهنة». وتطرق إلى العلاقة بين الكويت والعراق، وتحديداً بعد الزيارة الاستثنائية لأمير الكويت مشيراً إلى أن «الخطوة القادمة في العلاقات العراقية الكويتية هي انعقاد الجولة الثانية من اللجنة الوزارية بين البلدين لبحث الخطوات المقبلة، وسنشجع العلاقات الاعلامية والثقافية والرياضية لتمتين العلاقات».
(أ ف ب، يو بي آي، رويترز)

■ النص الحرفي لـ«إعلان بغداد»