نهر البارد | تكفّلت وكالة إغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين بتوفير الخدمات الطبية لهم، لكن معاناة أبناء المخيمات، واحتجاجاتهم، تتصاعد على وقع وفيات كان ممكناً تفاديها. ومع ذلك، هناك من «يتدخل» لإطفاء نار الفتنة! ومن مخيم عين الحلوة في الجنوب، مروراً بمخيمات بيروت، يعرج قطار الموت على مخيم البداوي في الشمال ليحط عصر ثلاثاء كئيب في مخيم نهر البارد. وأحاديث الموت، باتت جزءاً أساسياً من يوميات أهل المخيم: ركام الدمار لا يزال المشهد الذي يمر به أطفالهم في رحلتهم ذهاباً واياباً إلى مدارسهم. هناك عيادة جديدة للهلال الأحمر الفلسطيني الجديدة، لكنها، وبكل ألوانها الزاهية، لم تعد تستطيع حجب أخبار مقبرة خالد بن الوليد المكتظة بجثث الموتى خلف مبنى العيادة. جثث تصل اليها بوتيرة عالية ومقلقة.


قرقعة حبات المطر على جدران البراكسات لم تفلح في قطع حبل الدردشة (الشاتنغ) بين الاهالي على الفايسبوك، حول وفاة طفل السنوات التسع بلال واكد. فانتشرت مع نبأ موته، أخبار غضبهم مما افترضوا حدوثه بسبب تقصير من جانب الأونروا. أخبار عن وصول وفدين من جانب الأونروا بعد الوفاة سريعاً، أولهما للتعزية وتبريد الموقف في ليلة وفاة الطفل نفسها، وثانيهما كلجنة تحقيق طبية للفصل في أسباب الوفاة.
في الثالث عشر من آذار الماضي توفي الطفل بلال واكد بعد معاناته من خلل في جهازه الهضمي، رافقه منذ ثماني سنوات، وجعل تغذيته تتمّ بواسطة أنبوب متصل بصرّته، الأمر الذي يوجب إدخاله المستشفى لأي وعكة تلمّ به، حسب ما هو مكتوب في سجل الطفل الصحي، بحسب مقربين من أهله. اما اهل الطفل فقد اعتبروا أن إهمال تلك الإشارة من قبل من عاينوا حالة الصبي في عيادة الأونروا لدى إصابته بعارض صحي هو ما أدى إلى وفاته. هكذا ثارت ثائرتهم واحتجوا وتوعدوا.
ووفاة الطفل واكد في البارد جاءت بعد سنة بالتحديد على وفاة الطفل محمد طه من مخيم عين الحلوة التي ترافقت مع احتجاجات استهدفت مكاتب الأونروا في المخيم (عين الحلوة) وبعد أشهر قليلة على وقوع خمس وفيات في مخيم البداوي، حيث أحالت الأونروا بعض المرضى إلى احدى المستشفيات الشمالية. هذه «الحوادث» أدت إلى احتجاج الفصائل ولجان المخيم الشعبية، وبالتالي إنهاء التعاقد مع ذلك المستشفى الشمالي، بحسب أركان بدر عضو اللجنة المركزية في الجبهة الديموقراطية لتحرير فلسطين. لذلك، يبدو أن الوكالة أخذت وعيد أهالي البارد على محمل الجد. فبرغم أن وفاة الطفل واكد حدثت الرابعة عصراً، لم تتأخر مراجع الأونروا المختصة في المبادرة إلى امتصاص غضب الأهالي الذين رشح عنهم نيتهم بالتصعيد، وعدم دفن الطفل، بل وضعه أمام عيادة الأونروا، بانتظار محاسبة المسؤولين عن التسبب في الوفاة. هكذا توجه ليلاً وفد من الأونروا إلى مخيم البارد يتقدمه د. قاسم نمر مسؤول قسم الصحة في لبنان، وأسامة بركة مسؤول الصحة في الشمال ومدير الخدمات في نهر البارد خالد الحاج. ونجح الوفد في تبريد الأجواء، وخصوصاً بعد مداخلة مسؤول الشمال أسامة بركة الذي قدّم المواساة لأهل الفقيد ووعدهم بإجراء تحقيق شفاف «احتراماً لحياة الناس».
وغداة وفاة الطفل حضرت لجنة طبية من الأونروا وأبلغت أهل الطفل بحضور اللجنة الشعبية في المخيم أن نتائج التحقيق سترفع إلى المدير العام سلفاتوري لومباردو، وسيصار إلى إبلاغ الأهل بها إلى جانب اللجنة الشعبية والفصائل الفلسطينية في المخيم.
لكن، فجأة، يصدر عن والد الطفل المتوفى بيان يستبق نتائج التحقيق ويضع وفاة ابنه في خانة القضاء والقدر. كيف يكون ذلك؟ وشو عدا ما بدا؟
أسباب البيان غامضة، وزاد من غموضه ورود عبارتين لم تفلح المناقشات اللاحقة في توضيح مغزاهما. العبارة الأولى هي «إطفاء نار الفتنة»، والعبارة الثانية «استغلال القضية من طرف ثالث». ما يدفع إلى التساؤل عن هوية «الطرف الثالث» الذي يضع مسألة مطلبية أو احتجاجاً على معاناة إنسانية في إطار «فتنة» يجب «إطفاء نارها».
واللافت أيضاً، أنه بعد بيان الوالد كرت سبحة اعتذارات من الأونروا وأطبائها، فاحت منها رائحة التملق، لدرجة أن شخصاً يبدو من أقرباء الطفل يرد ممتعضاً بتعليق له (على الفايسبوك) «لم يبق سوى أن نحضر الطفل من القبر ويتقدم بشديد الاعتذار ممن يرغب، لكونه هو السبب في إزعاج البعض وهدر وقتهم!». منذ وفاة طفل عين الحلوة، مروراً بوفاة خمسة من أبناء البداوي، ومع وفاة ابن البارد، يتكرر غضب النازحين وتتكرر لوعتهم وشكواهم من بؤس واقعهم الصحي وتراجع تقديمات الأونروا الطبية وغيرها من الجهات الداعمة. لم يبق لهم الا الاحتجاج، فمن هو الطرف الثالث، ذو النفوذ على مخيم نهر البارد لدرجة إجبار اهال مفجوعين بوفاة ابنهم بالإهمال، حتى انهم كانوا يعتزمون عدم دفن ابنهم ووضعه امام عيادة الاونروا المتهمة، لإصدار بيان هو اشبه ببيان اعتذار؟ من المسؤول عن تخويف الاهالي؟ وبم إخافهم؟ يبدو أن الأفواه مكمومة حتى الآن.
اما لجنة التحقيق، فحتى كتابة هذه السطور لم تسفر تحقيقاتها عن نتيجة كما فهمنا بعد اتصالات عدة معها.




مقتطفات من الرسالة الى مدير الاونروا في لبنان: نعتبر ما حدث قضاءً وقدراً، آملين من حضرتكم عدم اتخاذ أية اجراءات سلبية بحق الطبيب الذي عاين الطفل الفقيد، متمنين منكم بذل المزيد من الجهود الإيجابية مستقبلاً ورفع المعاناة عن شعبنا وتحسين الخدمات الطبية والإنسانية. كما نرفض استغلال هذه القضية من أي طرف ثالث.
ونشكر كل من وقف الى جانبنا وساهم في إطفاء نار الفتنة منذ اللحظة الأولى للوفاة ونخص الطاقم الاداري والطبي للأونروا في الشمال واللجان الشعبية والفعاليات المحلية في مخيم نهر البارد.