تونس | باريس | تشهد تونس منذ أسابيع تجاذباً متزايداً بين التيارات العلمانية والدينية، على خلفية ما يشبه «حرب المقدسات». فبعد واقعة إنزال العلم التونسي في جامعة منوبة من قبل السلفيين، لتنصيب «علم الخلافة» مكانه، ضجت البلاد بسلسلة من الاعتداءات على المساجد وتدنيس المصاحف.

وكانت «واقعة منوبة» قد اعتبرت تعدياً على «مقدسات الدولة التونسية»، وأدّت إلى تظاهرات حاشدة ضد السلفيين وكل «القوى الظلامية التي تهدّد قيم الحداثة والدولة المدنية»، في ذكرى عيد الاستقلال (20 آذار الماضي). وتُوِّج ذلك بلفتة رمزية من الرئيس منصف المرزوقي قام خلالها بمنح وسام الاستحقاق الوطني إلى الطالبة اليسارية، خولة الرشيدي، التي تصدّت للسلفيين، وأعادت العلم التونسي إلى مكانه على واجهة جامعة منوبة. وألقى المرزوقي، خلال حفل تقليد الطالبة اليسارية بذلك الوسام، خطاباً دافع فيه بشدة عن قيم الدولة التونسية وقدسية رموزها ومؤسساتها. وهو خطاب عدّه البعض بمثابة «الخطاب الفعلي لتسلم مراسيم الرئاسة»، بعد أشهر من الانتقادات للأداء السياسي المثير للجدل، الذي جعل البعض يشككون في قدرة المرزوقي على التأقلم مع الصرامة السياسية والبروتوكولية التي يتطلبها منصب رئيس الجمهورية.
لكن «حرب المقدسات» لم تتوقف عند ذلك الحد، فقد ضجت تونس مؤخراً باعتداءات من صنف آخر استهدفت المقدسات الدينية، من خلال أعمال تخريب طاولت عدداً من المساجد، وتم خلالها تدنيس المصاحف، ما أثار استهجان غالبية التونسيين. قبل أسبوع، استيقظ الشارع التونسي على حادثة غير مسبوقة أثارت استهجان جميع التونسيين بمختلف أطيافهم، إذ قام شخص، اشتُبه لاحقاً بأنه يعمل مصوراً في التلفزيون الحكومي، برسم نجمة داوود على واجهة باب مسجد الفتح، بوسط العاصمة تونس، الذي يؤمه نور الدين الخادمي، وزير الشؤون الدينية الحالي. وبعدها بيومين أُعلن العثور على مصاحف ممزقة ومرمية في دورات المياه في مسجدين بمدينة «بنقردان» الجنوبية، قرب الحدود مع ليبيا. ومثلما كانت «واقعة منوبة» قد استُثمرت سياسياً من قبل قوى اليسار والعلمانيين للفوز أمام النهضة في انتخابات المجالس الجامعية، وحشد الجماهير من أجل الدفاع عن الدولة المدنية في تظاهرات عيد الاستقلال، قامت التيارات الإسلامية بحملات واسعة للتشهير بمرتكبي الاعتداءت على المقدسات الدينية. وأدى تزامن تلك الاعتداءات مع التجمعات التي دعت إليها التيارات السلفية أمام المجلس التأسيسي للمطالبة بأن تكون الشريعة مصدر التشريع الوحيد في الدستور التونسي الجديد، إلى منح المطالبين بفرض الشريعة تأييداً شعبياً أكبر، وذلك بالرغم من معارضة غالبية قادة حركة «النهضة»، ذات الاغلبية في المجلس التأسيسي، لمسألة فرض الشريعة مصدراً وحيداً في سن الدستور الجديد. ومن بين المعترضين رئيس الحركة الشيخ راشد الغنوشي، ووزير العدل نور الدين البحيري، ووزير حقوق الإنسان والناطق باسم الحكومة سمير ديلو، ووزير الداخلية علي العريض، ورئيس الحكومة حمادي الجبالي، الذي أكد في خطابه يوم عيد الاستقلال أن «الدستور يجب أن يكون توافقياً ومعبّراً عن كل التونسيين».
وبالرغم من أن «النهضة» نأت بنفسها عن التظاهرات المطالبة بفرض الشريعة، إلا أنها لم تتردد لاحقاً عن استغلال «حرب المقدسات» من أجل ردّ الصاع صاعين للحركات اليسارية التي كانت المستفيد الأكبر من «واقعة منوبة». لكن الحملة الدعائية التي قام بها شباب «النهضة» أفضت إلى منزلق أثار الكثير من التساؤلات والمخاوف، وذلك إثر بث المواقع المقربة من «النهضة» شريطاً مصوراً يضم اعترافات شاب أُلقي عليه القبض في «بنقردان»، يزعم أنه مرتكب عمليات تدنيس المصاحف بدافع «كراهيتي للدين وحبي للعلمانية، لأنني مثلي وأريد الزواج من رجل!».
الاعترافات المذكورة افتقدت العفوية، وبدا واضحاً أنه تم تلقينها لصاحبها، في محاولة لتشويه العلمانيين، إلى درجة أن صاحب الاعترافات الذي يُفترض أنه علماني استعمل كثيراً من المصطلحات التسفيهية التي تستعملها التيارات الإسلامية في وصف العلمانيين (راجع المقالة أدناه). لكن الأدهى من ذلك أن الشريط الذي بثته مواقع شباب «النهضة» تضمن اعترافاً من قبل من أشرفوا على انجازه بأن من ألقوا القبض على الجاني المفترض، وسجلوا اعترافاته، ليسوا من قوات الأمن أو الشرطة، بل من «الإخوة» (أنصار «النهضة») و«الشباب» (السلفيين)، الأمر الذي أثار تساؤلات كثيرة عن وجود «ميليشيات نهضوية تتولى اعتقال واستجواب الخصوم وتلفيق التهم السياسية لهم»، وهو ما يذكِّر بالممارسات المقيتة لـ«الحزب الدستوري» في عهد الديكتاتور المخلوع زين العابدين بن علي.