الكويت | «ابحث عن الدين»، أو بمعنى أدق عن الطائفية والمذهبية، لتجد أزمات متلاحقة تصيب الكويت منذ سنوات، وبنحو متصاعد منذ انتخابها المجلس النيابي الأخير في شباط الماضي؛ إذ لا تكاد البلاد تخرج من دوامة حتى تدخل في أخرى، على خلفية واحدة، هي: الإسلاميون المتشددون الذين يتحكمون بالأكثرية النيابية.


فبعد انفجار أزمة «التغريدة» التي كتبها مواطن على موقع «تويتر»، والتي عُدَّت مسيئة إلى الرسول والسيدة عائشة، ولا تزال تتصاعد، وخصوصاً بعد حرق تجمع شعبي دعمه الإسلاميون للعلم الإيراني؛ لأن من كتب «التغريدة» هو شيعي، ظهرت أزمة جديدة عنوانها أيضاً الإسلاميون؛ إذ انتفض هؤلاء مجدداً لمجرّد سماعهم عن دعوة إلى إقامة كنيسة للأرمن في الكويت، واستُحضرت كل التصريحات الحادة، وصولاً إلى فتح ملف «ناغورنو كاراباخ».
فعندما قالت رئيسة «الجمعية الكويتية للأسرة المثالية»، الشيخة فريحة الأحمد الصباح، في معرض زيارتها لمطرانية الأرمن الأرثوذكس في منطقة السالمية الأسبوع الماضي، إنها ستقف مع الجالية الأرمنية حتى تحصل على أرض لكنيستها، ضم الإسلاميون إلى بوصلتهم، الأرمن، بعد الشيعة.
واستغرب النائب الإسلامي وليد الطبطبائي التعهد الذي أطلقته الشيخة فريحة، قائلاً إن «مسألة الترخيص للمعابد مسؤولية جهات رسمية في الدولة، من بينها وزارة الأوقاف والبلدية، ويجب أن تخضع في كل الأحوال لرأي إدارة الإفتاء في وزارة الأوقاف، ولا يجوز أن تترك للمجاملات الشخصية والسياسية».
ولم يكتف الطبطبائي بذلك، بل استحضر موضوع إقليم «ناغورنو كاراباخ»، إذ قال: «بصفتي رئيساً للجنة الصداقة الكويتية _ الآذرية، أعلم عن قرب ما فعلته أرمينيا عندما احتلت إقليم «ناغورنو كاراباخ» المسلم التابع لأذربيجان؛ إذ قام جيشها الذي نكّل بالمسلمين هناك بتخريب وهدم عدد من المساجد وتدنيس بعضها بتحويلها إلى زرائب، فهل نكافئ أرمينيا على هذا بمنحها أرضاً لبناء كنيسة في الكويت؟». ودعا الديوان الأميري إلى «اتخاذ موقف تجاه قيام أفراد من الأسرة الكريمة بمبادرات غير محكومة بقوانين الدولة وأنظمتها واختصاصات الجهات الرسمية المختصة».
وكان النائب الإسلامي بدر الداهوم قد دعا، بدوره، الشيخة فريحة إلى «الابتعاد عن التصريحات المثيرة لمشاعر المسلمين، والتي تحمل في طياتها نبرة تحدٍّ»، مشيراً إلى أنها «ليست من أصحاب القرار حتى تقول الكلام الذي ذكرته. وليس لها منصب في الحكومة ولا في مجلس الأمة حتى تقدم الوعود»، علماً بأن بعض الأوساط السياسية رأت أنّه نظراً إلى أنّ الشيخة فريحة لا تملك منصباً تنفيذياً، لا يستدعي كلامها كل هذه الردود العنيفة، إذ إنه يحمل دعماً معنوياً لا غير.
ويبلغ عدد أبناء الجالية الأرمنية نحو خمسة آلاف شخص من أصل 450 ألف مسيحي يعيشون في الكويت، بينهم نحو 150 مواطناً كويتياً. ويرتاد هؤلاء تسع كنائس فقط، فيما يحظر قانون الجنسية المعدل في عام 1981 تجنيس المسيحي، رغم أن الدستور الكويتي يساوي بين الجميع في الحقوق والواجبات، ولا يفرق على أساس الجنس أو اللغة أو الدين.
وتجدر الإشارة إلى أن هذه القضية ليست الأولى من نوعها؛ إذ شغلت البلاد أزمة مماثلة في عام 2010، عندما وافقت بلدية الكويت من الناحية التنظيمية على تخصيص موقع لبناء كنيسة لطائفة الروم الكاثوليك في منطقة المهبولة، فرفض المجلس البلدي قرار البلدية، لينسحب على أثرها الأعضاء الموافقون على بناء الكنسية من الجلسة احتجاجاً على قرار الغالبية.
وكان النائب الإسلامي أسامة المناور قد دعا في شباط الماضي إلى إزالة الكنائس من الكويت، ومنع بناء كنائس جديدة، وذلك إضافة إلى طلبه مراقبة «الخمس» عند الشيعة.
في موازاة ذلك، صعّد الإسلاميون الأزمة مع الشيعة، بعد طلبهم مراقبة الحسينيات في الكويت «أسوة بما تفعله مع المساجد»، وقد أدى هذا الأمر إلى مشادات حادة تحت قبة البرلمان. وأعلن النائب محمد هايف، صاحب هذا الطلب، عزمه على استجواب وزير الأوقاف جمال الشهاب، ما خلق شرخاً في جدار الغالبية البرلمانية، التي طلب أحد أعضائها من هايف الصوم ثلاثة أيام كفارة عن يمينه، وعدم استجواب الوزير.
ومزاد الاستجوابات لم يتوقف عند وزير الأوقاف، بل تخطاه ليصل إلى النائب الأول لرئيس مجلس الوزراء وزير الداخلية الشيخ أحمد الحمود الصباح، حيث هدد النائب الطبطبائي باستجوابه إذا لم يفرج عن المواطن نهار الهاجري الذي أقدم على حرق العلم الإيراني الأسبوع الماضي، أثناء التجمع المندد بكتابة أحد أبناء الطائفة الشيعية لـ«التغريدة» التي عُدَّت مسيئة.