القاهرة | الجمعية التأسيسية لصياغة الدستور الجديد تعقد اليوم اجتماعها الثاني، لا لنقاش مبادئ الدستور الجديد وإنما بحثاً عن حل لأزمة المنسحبين منها، «سواء بالحل القانوني عبر الاستعانة بالأعضاء الاحتياطيين في الجمعية، أو عبر حل سياسي آخر»، حسبما قال الأمين العام لمجلس الشعب، سامي مهران، لـ«الأخبار». وفي السياق، عقدت اللجنة المعنية بحل الأزمة مع المنسحبين من الجمعية اجتماعاً مصغّراً، أمس، للتناقش في آخر ما توصلت إليه جهود الوساطة لعودة المنسحبين، على أن يقدم أعضاؤها تقريراً مفصلاً بذلك، يعرض على الجمعية في اجتماعها الأربعاء، بينما أعلن المجلس الملي العام للأقباط الأرثوذكس انسحاب الكنيسة من اللجنة التأسيسية للدستور، مؤكداً «عدم جدوى استمرار تمثيل الكنيسة في اللجنة بعد الملاحظات التي أثارتها القوى الوطنية على طريقة تشكيلها». من جهته، قال عضو لجنة حل الأزمة، النائب وحيد عبد المجيد، لـ«الأخبار» إن المواقف بين الطرفين لا تزال متباعدة، وكل منهم لديه قناعاته للتمسك بوجهة نظره، مضيفاً «عرضنا عليهم بعض المقترحات والأفكار كمخارج من الأزمة». وأكد أن الاتصالات بالمنسحبين ستستمر حتى قبل موعد انعقاد الجمعية، أملاً في حل الأزمة القائمة.


وأكد ذلك النائب محمد البلتاجي، عضو اللجنة التأسيسية وحزب الحرية والعدالة، مشدداً على استمرار التفاوض مع المنسحبين لإعادتهم إلى اللجنة مرة أخرى، ومؤكداً رغبة الجميع في أن يكون هناك توافق لحل الأزمة الراهنة.
لكن هذا الفرز بين الفريقين، الإسلاميين المهيمنين على الجمعية التأسيسية والليبراليين المنسحبين منها، وتكريس التنافس على أساس الخلاف على هوية الدولة والحريات العامة في الدستور الجديد فقط، يعود ليفرض نفسه في معركة انتخابات رئاسة الجمهورية، وخصوصاً بعد إعلان جماعة الإخوان المسلمين قبل يومين ترشيح نائب مرشدها العام خيرت الشاطر، بعيداً عن الخلاف الحقيقي المتوقع بين الليبراليين والجماعة من جهة، وجموع ناخبيها الفقراء من جانب آخر على المكتسبات الاجتماعية، في ظل حكم الإخوان.
فترشيح الشاطر ربما يعيد تسليط الضوء مجدداً على سياسات الجماعة الاقتصادية التي قد لا تختلف كثيراً عن سياسات الحزب الوطني المنحل. فخيرت الشاطر، قال لـ«الفايننشال تايمز»، في حوار نشرته الشهر الماضي، إن «الإسلام يدعم اقتصاد السوق الحرة» بحسب نص حديثه، لكنه استطرد قائلاً «إن هذا الاقتصاد في ظل الإسلام لا بد من أن تكون الرغبة في الربح فيه محكومة بـ«مراعاة العدالة الاجتماعية».
وربما يجدد ذكر العدالة الاجتماعية مقترنةً بالسوق الحرة، بما كان يراه نجل الرئيس المخلوع جمال مبارك، من أن «سياسات العدالة الاجتماعية هى الركيزة الأساسية لرؤية الحزب الوطني». وعلى كل حال، فالشاطر قال في السياق نفسه «إننا (الإخوان المسلمين) جزء من النظام العالمي، بكل قواعده وقوانينه».
كذلك لم يجد الشاطر حرجاً مثلاً في حضور لقاء نظّمه بنك الاستثمار «اي اف جي هيرميس»، الذي كان جمال مبارك شريكاً في ملكيته مع 14 من كبار مديري الاستثمار الأوروبيين والأميركيين والأفارقة لطمأنتهم بشأن سياسات الحكومات الإخوانية القادمة. فرجال أعمال الجماعة ليسوا معنيين بأمور من هذا القبيل، إذ إنهم لا يدعون قطعاً مع الماضي حين يتعلق الأمر بالمال والأعمال. فنائب المرشد لعام لجماعة الإخوان المسلمين رجل أعمال بارز وابن رجل أعمال «لأكثر من خمسين سنة وامتلك عدداً من الأراضي الزراعية، وكان من أكبر التجار المشهورين في محافظة الدقهلية، وكذلك جده من والده ووالدته أيضاً»، بحسب موسوعة الإخوان التاريخية على موقع «إخوان أون لاين».
والرجل بدأ عمله التجاري في أوروبا والعالم العربي بدءاً من عام 1981 وعاد إلى مصر عام 1986 ليكمل نشاطه التجاري. والشاطر ليس استثناءً، فعبارة «السياسات الاقتصادية المتبعة في عهد الرئيس المخلوع حسني مبارك كانت تسير في الطريق الصحيح، لكن شابها تفشي الفساد والمحسوبية»، لجأ أحد ضحايا نظام مبارك نفسه وسجين عهده، حسن مالك، أحد أشهر قادة الإخوان المسلمين، إلى التعقيب على سياسات سجّانه وإشادته بها بعد سقوطه.
العبارة الصادمة الذي جاءت على لسان مالك في مقابلة مع وكالة «رويترز» في تشرين الأول الماضي بررها بأن «(رشيد محمد رشيد وزير التجارة والصناعة فى عهد مبارك) عرف كيف يجتذب الاستثمارات الأجنبية جيداً».
الشاطر ومالك معاً ليسا استثناءً. فسياسات الجماعة وذراعها السياسية الاقتصادية ممثلةً في حزب العدالة والحرية، لا يمكن فهمها بمعزل عن تاريخها. ففي عام 1992 في عهد مبارك، أيد الإخوان قانون الإيجارات الزراعية الجديد الذي أدى إلى قفزة ضخمة في الإيجار الذي يدفعه الفلاحون المعدمون، والذي فجر حين بدأ تطبيقه بعدها بخمس سنوات انتفاضة فلاحية ضخمة. واليوم يتضمن برنامج حزب الحرية والعدالة وعداً برفع الحد الأدنى للأجور الى 1200 جنيه تدريجاً خلال خمس سنوات وهو وعد سمير رضوان نفسه، وزير المال السابق وعضو الحزب الوطني المنحل، والذي تولى منصبه في وزارة أحمد شفيق التي عينها مبارك خلال أيام الثورة.