نيويورك | طرأ تحرُّك نوعي على جبهة مساعي حلّ الأزمة السورية سلمياً من خلال وساطة موفد الأمم المتحدة والجامعة العربية كوفي أنان، مع موافقة دمشق على تاريخ العاشر من الشهر الجاري موعداً نهائياً للبدء بتطبيق جزئي لخطته المؤلفة من 6 بنود، والهادفة إلى إحلال السلام ووقف إطلاق النار في البلاد. تطوُّر تزامن مع تسريب السلطات السورية خبراً مفاده أنها في صدد الإعداد لبروتوكول يجري توقيعه بين دمشق والأمم المتحدة بهدف إنجاح مهمة أنان والمراقبين الدوليين المنتظر إرسالهم إلى سوريا. كل ذلك ترافق مع موقف روسي حاد في نبرته ضدّ مؤتمر «أصدقاء سوريا» وتوصياته، وتشديد موسكو على ضرورة سحب الجيش السوري من المدن «سريعاً». أما على الأرض، فتستمر الحملة الأمنية في عدد من المدن السورية ومعها سقوط القتلى.

وأبلغ أنان، من جنيف، مجلس الأمن الدولي عبر الأقمار الاضطناعية، أن سوريا «وافقت على مهلة 10 نيسان للبدء بتطبيق خطة السلام في سوريا»، مع دعوته المعارضة السورية إلى «وقف القتال في غضون 48 ساعة من وقف الجيش لإطلاق النار، أي في 12 نيسان»، بحسب ما نقلته عنه المندوبة الأميركية لدى مجلس الأمن، سوزان رايس. موافقة أكّدها المندوب السوري بشار الجعفري الذي قال إن دمشق «تريد التزاماً من المعارضة بوقف العنف».
غير أن مندوب روسيا فيتالي تشوركين رأى في ذلك إمكان حدوث ثغرة أمنية تسمح للمعارضة المسلحة باحتلال ما تخليه القوات الحكومية، كما تسرب من داخل الجلسة وفقاً لمصدر دبلوماسي متابع تحدث إلى «الأخبار». وكان موقف مندوب الصين لي باو دونغ مماثلاً للموقف الروسي في الإعراب عن التحفّظ على تلك النقاط.
ووفق دبلوماسيين أجانب، فقد شدّد أنان على أن «الوقف الكامل للعنف في سوريا سيحصل في اليومين اللذين يليان العاشر من نيسان». وعلى حدّ ما نُقل عنه، سيكون «على النظام السوري أن يسحب أسلحته الثقيلة من المدن والبدء بسحب جنوده قبل العاشر من نيسان». وفي حين أكد أنان في جلسة مغلَقة للدول الـ15 لمجلس الأمن أنه «لم يحدث تقدم على الأرض في تنفيذ وقف إطلاق النار»، فإنه طلب من مجلس الأمن تبنّي مهلة العاشر من نيسان، على حدّ تعبير سوزان رايس. ووفق ما نُقل عن أنان في إيجازه لوضع خطّته، فإنّ «الحكومة السورية ستبدأ بوقف حركة الجيش نحو المدن، وسحب الأسلحة الثقيلة منها، والبدء بسحب الآليات من هذه المدن». كذلك أوصى أنان بدراسة نشر مراقبين دوليين في سوريا مع تفويض واسع ومرن»، وهو ما يحتاج إلى قرار من مجلس الأمن. وفي وقت لاحق، أوضح المتحدث باسم أنان أحمد فوزي أنه «إذا تمكن أنان من التحقق من انسحاب الجيش السوري في 10 نيسان، فسيكون أمام الطرفين 48 ساعة لوقف إطلاق النار». وقال فوزي إن «السوريين أبلغونا أنهم وضعوا خطة لسحب جيشهم من المناطق السكانية وتلك المحيطة بها. لقد بدأوا بتطبيق هذه الخطة من يوم الأحد (أول من أمس) أي في اليوم الذي تلقينا فيه الرسالة السورية، وإذا تمكنّا من التثبت من أن هذا (إتمام الانسحاب) قد حصل بالفعل في غضون العاشر من نيسان الجاري، عندها يبدأ العد العكسي لوقف جميع أشكال العنف، من ضمنها ذلك الصادر عن المعارضة، ونتوقع أن يلتزم الطرفان بوقف إطلاق النار في غضون 48 ساعة بدءاً من ذلك التاريخ (10 نيسان)».
ورغم أنّ رايس كشفت عن «بعث وزير الخارجية السوري (وليد المعلم) برسالة إلى أنان يوم الأحد، تفيد بأن الجيش سيبدأ فوراً، بحلول العاشر من نيسان، وقف أي انتشار جديد للجيش في المدن والمراكز السكنية وانسحاباً وسحباً للأسلحة الثقيلة»، فإنها عادت لتعرب عن «تشكيك واشنطن وعدد من الدول الغربية في رغبة سوريا في الوفاء بوعدها بالبدء بتطبيق الخطة بحلول العاشر من نيسان، لأن التجارب السابقة تقودنا إلى التشكك والقلق من أن نشهد خلال الأيام القليلة المقبلة تصعيداً في العنف بدلاً من تراجعه».
وكان موقع «شام برس»، على الإنترنت، قد نقل عن مصدر في وزارة الخارجية السورية أن وفداً من الأمم المتحدة سيزور سوريا «لبحث سبل تطبيق خطة مبعوث الأمم المتحدة كوفي أنان». وقال المصدر إن «الأمانة العامة للأمم المتحدة أبلغتنا أن وفداً من إدارة عمليات حفظ السلام سيصل إلى دمشق خلال الـ48 ساعة المقبلة للبحث في البروتوكول الناظم لعمل المراقبين».
وفي سياق متصل (الأخبار، أ ب، أ ف ب، رويترز، يو بي آي) ، رأى وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، من أرمينيا، أن على الحكومة السورية أخذ المبادرة بسحب الجيش «سريعاً» من المدن السورية «تطبيقاً لخطة كوفي أنان»، مشدِّداً في الوقت نفسه على أن «على المعارضة السورية أن تقابل هذه الخطوة بالمثل». وخلص لافروف إلى أنه «من دون البدء بسحب الجيش من المدن، وهو ما يجب أن يترافق مع خطوات مماثلة من قبل كل الذين يحاربون السلطات، لا أعتقد أننا سنصل إلى أي نتيجة». كلام أرفقه لافروف بانتقادات لاذعة لاجتماع «أصدقاء سوريا» الذي انعقد قبل يومين في إسطنبول، إذ برر عدم مشاركة روسيا فيه بعدم دعوة ممثلين عن دمشق. وانتقد «تحديد المهل» أو الإنذارات» للسلطات السورية لتطبيق خطة أنان، على قاعدة أن «الإنذارات والمهل المصطنعة نادراً ما تكون مفيدة». كذلك فإن وزارة الخارجية الروسية أوضحت في بيان أن «النيّات والتأكيدات التي جرى التعبير عنها في إسطنبول من أجل دعم مباشر، بما في ذلك العسكري واللوجستي للمعارضة المسلحة، يتناقض بما لا جدال فيه مع أهداف تسوية سلمية للنزاع».
وكانت ارتدادات مؤتمر «أصدقاء سوريا» في إسطنبول قد استمرت في شغل التصريحات وردود الفعل؛ ففي حين أعربت «القيادة المشتركة للجيش السوري الحر في الداخل» عن خيبة أملها من نتائج المؤتمر، حذّر الأمين العام لحلف شمالي الاطلسي أندرس فوغ راسموسن من تسليح «الجيش الحر»، لأن ذلك «قد يؤدي إلى انتشار خطير للسلاح في المنطقة»، وذلك بعد الرفض الأميركي لتسليح المعارضين السوريين. وجزم بأن الحلف الأطلسي «لا ينوي على الإطلاق» التدخل في سوريا، رغم أنه وصف من جديد القمع الدامي الذي يقوم به نظام الرئيس بشار الأسد بـ«المشين جداً».
ميدانياً، أفادت مصادر المعارضة السورية عن استمرار القوات السورية في عملياتها في عدد من المدن والقرى السورية، ما أدى إلى مقتل 18 شخصاً، بحسب «المرصد السوري لحقوق الإنسان»، في ريف إدلب ودرعا وريفها وحمص والقصير وحلب وجرد بلودان ومنطقة وادي شاهين قرب الزبداني والمعضمية في ريف دمشق. وبحسب أرقام رئيس «المرصد»، رامي عبد الرحمن، فقد وصل عدد القتلى منذ 15 آذار 2011، إلى 10108 أشخاص، 7306 منهم مدنيون، و2248 جندياً، و554 منشقاً عن الجيش.
يأتي ذلك متزامناً مع إعلان اللجنة الدولية للصليب الأحمر أن رئيسها جاكوب كيلنبرغر (الصورة) توجّه أمس إلى سوريا في زيارة هي الثالثة له «لتلبية الاحتياجات المتزايدة للمرضى والجرحى والنازحين وزيارة المعتقلين». وبحسب بيان للصليب الأحمر، سيتفقد كلينبرغر مناطق متأثرة بالقتال.