جرت خلال الأيام العشرة الاخيرة مفاوضات بعيدة عن الأضواء بين مبعوث الأمم المتحدة وجامعة الدول العربية إلى سوريا كوفي أنان من جهة، ووزارة الخارجية السورية من جهة ثانية، للتوافق على معايير مشتركة تتيح البدء بتطبيق البنود الستة، وبخاصة، في هذه المرحلة، النقطة الثانية منها، المتعلقة بإيجاد تفاهم على كيفية «وقف العنف»، ثم الدخول فوراً في مرحلة «إعلان وقف نار»، وإثر ذلك مباشرة البدء بـ«نشر مراقبين محايدين للسهر على استدامته».


شخصية دبلوماسية عربية مطّلعة كشفت لـ«الأخبار» عن تفاصيل _ ما سماه _ مفاوضات المراسلات البعيدة عن الأضواء، التي جرت بين انان ووزير الخارجية السورية وليد المعلم، خلال الفترة ما بين 31/3/2012 ولغاية الأيام القليلة الماضية التي شهدت ولادة مصطلح مهلة يوم العاشر من نيسان الجاري. ويقول المصدر الدبلوماسي إن هذه المفاوضات هي التي ادت الى ولادة مهلتي 10 و12 نيسان كسياق مرتجى «لإعلان وقف نار»، اللتين لا يزال أمر نجاح تطبيقهما محل سؤال كبير.
تظهر وقائع هذه المفاوضات عبر المراسلات الخاصة بين انان والمعلم، عن طبيعة الأساس الهش الذي تقف عليه مهلتا يومي 10 و 12 نيسان، وطبيعة الفجوات في تفسير الطرفين لرؤيتهما في كيفية تطبيق النقطة الثانية من مقترح انان، المطروحة الآن للتنفيذ، وأيضاً رؤيتهما لكيفية متابعة تنفيذ باقي النقاط الست في المستقبل.

وقائع ولادة مهلة «وقف نار»

بدأ هذا السياق من المفاوضات بمبادرة من أنان ذاته، حيث اتصل يوم السبت 31 آذار 2012 هاتفياً بوزير الخارجية السورية وليد المعلم، وابلغه «ضيقه من حقيقة أنه رغم موافقة الحكومة السورية على خطة النقاط الست، بتاريخ 27/3/2012، الا انها لم تقم بأي تغيير ملموس على الارض»، تثبت صدق نيتها بالتنفيذ، وحاول أنان ممارسة نوع من «الضغط المهذب» على الحكومة السورية، خلال هذا الاتصال، حينما اشار الى «أن التباطؤ السوري على مستوى تنفيذ بنود النقاط الست، يجري في وقت يتعرض فيه لضغوط من دول وازنة (في اشارة إلى مؤتمر اسطنبول الذي كان سيعقد في اليوم التالي على المحادثة الهاتفية الآنفة)، للحصول على مهلة زمنية لانهاء دمشق تنفيذ خطة النقاط الست».
وذكر انان، محدثه المعلم، بأنه سيقدم احاطة امام مجلس الامن يوم 2/4/ 2012، وبالتالي، فهو يأمل ان تنفذ الحكومة السورية خطوات ملموسة قبل هذا التاريخ، حتى يستطيع تقديمه للمجلس، مستدركاً بـ«أنه لا يود ان يخرج للعلن بمهل زمنية، لكنه يرغب في أن تكون المبادرة من الحكومة السورية ودونما ضغط عليها». يضيف الدبلوماسي عينه أن «صيغة التفاوض التي اتبعها انان في مكالمته الهاتفية، احتوت على تأفف ممزوج بضغط غير مباشر، استخدم فيه تلميحاً مؤتمر اسطنبول، ومجلس الامن، ولكن بأسلوب حرص فيه دائماً على ان يظل خارج نطاق التهديد، بل الحث على التعاون العاجل».
وفي المحادثة الهاتفية نفسها، اجاب المعلم بأنه «ينتظر من انان تزويده، بشكل عاجل، بتصوره الخطي عما يتوقعه من الحكومة السورية ان تقدم عليه في مجال تنفيذ خطة النقاط الست»، وردّ انان فوراً على طلب المعلم، اذ ارسل في اليوم نفسه تصوراً لما هو مطلوب لتنفيذ خطة النقاط الست كافة، علماً بأن تصوره عملياً جاء من شقين:
الشق الاول احتوى على رؤيته لما يجب فعله بخصوص النقطة الثانية من خطة النقاط الست، أي التزام وقف القتال، رغم ان التصور عرض لكل النقاط الست. وبالنسبة إلى النقطة الاولى الخاصة بالعملية السياسية، اعتبر انان في تصوره «أنّ من الضروري ان تعمل الحكومة السورية على توفير ظروف يمكن معها ان تتقدم هذه العملية بنحو ملموس». وهذا يكون عبر تنفيذ باقي النقاط، ومنها في هذه المرحلة النقطة الثانية الداعية إلى وقف العنف، التي قال تصور انان بخصوصها، «إنه يرى ضرورة لأن تصدر الحكومة السورية الأوامر العسكرية بوقف التقدم باتجاه الاماكن المأهولة، وان تتوقف عن استخدام الاسلحة الثقيلة في هذه الاماكن، وان تبدأ بسحب الحشود العسكرية منها». وتابع: «يجب ان تقوم الحكومة السورية بذلك باسلوب ينم عن توجيه رسالة سياسية تعتبر رسالة سلام، وان هذه الموجبات يمكن تطبيقها على الفور، وفي كل الاحوال، يجب ان تطبق بما لا يتعدى يوم 7/4/2012». واضاف: «كما ورد في خطة النقاط الست، فإنه سيسعى إلى تأمين التزام كامل بوقف كامل للعنف بجميع اشكاله من قبل كل الاطراف. وحينما يتيقن من التنفيذ السليم للحكومة السورية لموجباتها بموجب المادة الثانية، فقرات أ _ ب _ ج من الخطة (أي وقف الحشود العسكرية باتجاه الاماكن المأهولة _ وقف الاسلحة الثقيلة _ الشروع بسحب التعزيزات العسكرية) فإنه يمكن حينها تأمين وقف اطلاق نار خلال 48 ساعة». ثم افصح تصور انان عن نقطة جديدة اوحت بمستجد في تفكيره بخصوص هذا السياق، وهي جاءت على شكل مطالبة دمشق «بأن تتعاون البعثة السورية في نيويورك مع الامانة العامة للامم المتحدة في اجراءات اعلان وقف اطلاق النار». وبالنسبة إلى الحكومة السورية، اوحى هذا الطلب أن انان سيطلب قراراً من مجلس الأمن بتشكيل فريق المراقبة بموجب الفصل السادس.

رسالة المعلم الجوابية

رد المعلم على تصور انان برسالة جوابية، جاءت ايضاً على شكل شقين: الاول بشأن تنفيذ النقطة الثانية المطروحة راهناً للتنفيذ. واعلنت الرسالة ان الحكومة السورية «تلتزم فقط، بالخطة التي وضعتها لسحب وحدات عسكرية من داخل الأحياء ومحيطها وذلك خلال الفترة بين 1 نيسان حتى 10 نيسان 2012». كذلك ابلغه في رسالته بأنه «صدرت تعليمات عن الحكومة السورية بعدم تحريك قوات عسكرية جديدة تجاه هذه الأحياء وان هذه الاجراءات تؤكد التزام سوريا أحكام النقطة 2 من خطة البنود الستة».
وتجدر الملاحظة هنا أن رسالة المعلم الجوابية، ذكرت «الانسحاب من الاحياء»، لا «من الاماكن المأهولة» التي تحمل معنى فضفاضاً، وطالب تصور أنان، كما شددت على أن يتم هذا الانسحاب «بين يومي 1 نيسان الجاري حتى 10 منه»، ما عنى أن مهلة الـ 48 ساعة التي طلبها انان في تصوره ليعلن بعدها «وقف اطلاق نار»، يجب ان تسري، وفق نظرة دمشق، ابتداءً من يوم 10/4/2012، لا من يوم 7/4/2012 حسب تصور انان.
إثر ذلك، وفي مراسلة أخرى، قدم انان إيضاحاً للخارجية السورية، لما سبق أن أعلنه أمام مجلس الامن، عن أنه «سيسعى للحصول على التزام من المعارضة المسلحة بوقف النار بحلول 12 نيسان»، فأوضح ان قيامه بهذا الامر، «يبقى مشروطاً بقناعته بأن الحكومة السورية نفذت موجباتها الاولية بشكل سليم بحلول 10 نيسان».

الشق الثاني من التصور واجابات المعلم

يعرض الشق الثاني من تصور انان لرؤيته عن كيفية تنفيذ بقية نقاط البنود الست، وجاءت على النحو الآتي: بالنسبة إلى النقطة الثالثة الخاصة بتوفير المساعدات الانسانية، قال انان ان «مسؤولة الاغاثة الانسانية في الامم المتحدة فاليري موس اطلعته على مهمة البعثة التي اوفدتها لتقديم الحاجات الانسانية في سوريا، وان تعاون الحكومة السورية الكامل ضروري في هذا المجال». وبخصوص النقطة الرابعة الخاصة بإطلاق المعتقلين، ذكر انان بموجبات الحكومة السورية بـ«اطلاق المعتقلين، ولا سيما المعتقلون تعسفاً، وتزويد الصليب الاحمر الدولي بلوائح اسمية لهم والسماح له بزيارة السجون». وبالنسبة إلى النقطة الخامسة، اي دخول الصحافة، ذكر انان «بضرورة اتاحة المجال امام الصحافة لدخول كافة ارجاء البلاد ومنحهم تأشيرات وفق الأنظمة السورية وبدون تمييز»، وبالنسبة إلى النقطة السادسة، اكد انان ضرورة «التزام الحكومة السورية، بموجب موافقتها على خطة النقاط الست، بإتاحة المجال امام حرية التجمع والتظاهر السلمي وفق ما تضمنه القوانين».
ورد المعلم في رسالته الجوابية عينها، على هذه المطالب بانه سيتم «إيداع انان رداً مفصلاً لاحقاً عن التقدم الذي حصل فيها»، وركز في خلاصة جوهرية لموقف دمشق من كل تصور انان الآنف، بأن نجاح الخطة «يعتمد على نتائج مساعيكم (اي انان) مع الاطراف الاخرى، للوصول الى التزام كامل بوقف العنف المسلح بجميع اشكاله ونزع سلاح المجموعات المسلحة لبسط سلطة الدولة على جميع اراضيها».
ويرى الدبلوماسي المذكور ان يوم العاشر من نيسان هو محل تباين لتفسير هدفه، وان اقراره ليكون يوم البدء بسياق وقف العنف تمهيداً لإعلان وقف نار، جعله يشبه خط انطلاق سباق طويل النفس بين القوى المعنية بالأزمة السورية، اذ ان كل طرف يقرأ يوم العاشر من نيسان حسب روزنامة اهدافه: فدول «مؤتمر اصدقاء سوريا» ترى بوقف العنف انه مدخل لتطبيق النقطة السادسة من خطة انان التي تتحدث عن ضرورة احترام النظام السوري «لحرية التجمع وحق التظاهر السلمي وفق ما يتيحه القانون»، وهذه هي المادة الاهم في نظرهم بعد وقف العنف، حيث ستتيح ان يشاهدوا «ثورة سورية تتحول الى النموذج المصري، ولا سيما مع وجود مراقبين من الامم المتحدة يصعب التلاعب بهم كما حصل مع بعثة المراقبين العرب إلى سوريا برئاسة الفريق اول مصطفى الدابي، مع ما يرافق ذلك من تجمعات شعبية حاشدة تتمركز في الساحات العامة، وتعيد تعبئة الرأي العام العالمي الذي انصرف نسبياً عن الحراك الشعبي السوري بعد تحوله الى نموذج حرب اهلية يشوبها عنف متبادل، بدلاً من ثورة شعبية سلمية».
ويضيف الدبلوماسي ان هذا التصور الانف الذي يسود دول الاتحاد الاوروبي، والولايات المتحدة الى حد ما، لا يسود تماماً في السعودية وقطر، اللتين لا تريان ان مهمة انان وتحقيق موجبات المادة الثانية، تقدمان قيمة اضافية لجهد اسقاط النظام السوري، بقدر ما تقدم للاخير فرصة الالتقاط الانفاس لاحتواء الحراك الشعبي السوري، وفكاك عزلته الدولية. اما تركيا بحسب المصدر عينه، فهي حائرة بين وجهتي النظر هاتين، وتحاول التوفيق بينهما من خلال رفع نبرة تصريحاتها دونما قدرة على القيام بخطوات ملموسة. وبالمقابل يدرك النظام السوري ان خطة انان فيها من الفخاخ ما قد يطيح ما تحقق عسكرياً على الارض أخيراً لمصلحته، ولئن احتاط النظام لامكانية افادة اعدائه من تنفيذ النقطة الثانية الخاصة بوقف العنف من اجل اطلاق طفرة تظاهرات سلمية، وذلك من خلال سنّه قانوناً للتظاهرات السلمية يوجب نيل ترخيص لمنظميها من وزارة الداخلية قبل الشروع بها. ولكن هذا القانون لا يحمي النظام من امكانية وضعه على تماس يومي من المشاكل مع التظاهرات التي تخرج سلمياً من دون ترخيص، ما جعله يتدبر حلاً لهذه المشكلة المرتقبة من خلال مواجهاتها بتظاهرات مؤيدة له، وتظاهرة البعث الاخيرة في دمشق تعد نموذجاً على هذا الصعيد، ما يبرر دخول قوى الامن للسيطرة على التظاهرتين لدواعي عدم حصول اشتباكات بينهما.




مهمة ليست مستحيلة

يستعين كوفي انان بالمكانة الدولية والخبرة في حل الصراعات ضمن مهمته في سوريا. ويجمع المراقبون على أن انان ليس لديه مصلحة خاصة مع طرفي الصراع، ما يجعل من الصعب على احد ان يزعم ان له أي جدول اعمال سوى ضمان انهاء العنف.
وفي سيرة ذاتية كتبها ستانلي ميزلر عن انان عام 2007، لم ترد اشارة تجمعه بالأسد الا محادثة هاتفية في 2002 حث فيها انان الاسد على التصويت لقرار في مجلس الامن بشأن عودة مفتشي الاسلحة بالامم المتحدة الى العراق ابان حكم صدام حسين.
وخلال توليه لمنصب الأمين العام للامم المتحدة نجحت وساطة انان في عدد من الصراعات، بينها النزاع الحدودي بين نيجيريا والكاميرون بشأن السيطرة على شبه جزيرة باكاسي الغنية بالنفط. وأقنع انان نيجيريا بقبول حكم لمحكمة دولية يقضي بمنح باكاسي للكاميرون.
وبعد ترك أنان منصبه الدولي، ساعد في التفاوض لإنهاء العنف في كينيا والذي راح ضحيته 1220 شخصاً بعد الانتخابات التي اجريت هناك عام 2007.