يرخي حفّار القبور، عم سيّد، جسده على حائط متداعٍ في مقابر «بني سويف الجديدة» (110 كلم جنوب القاهرة)، تحت حرارة أشعة شمس، قد تصل إلى الأربعين. يعيش مع زوجته وابنتيه في أحد الأحواش (مكان يضم أكثر من مقبرة لعائلة واحدة)، حيث يهتم بالمزروعات اليانعة فوق قبور الآخرين، وينفق على أسرته ممّا يتقاضاه من عمله في دفن الموتى وبناء المقابر الجديدة.
أمّا مكان نومه، فهو سرير يتشارك فيه أبناء الأسرة غرفة واحدة، تضم أيضاً مكاناً مخصصاً لقضاء الحاجة، وهو أبعد ما يكون عن الصفات التي عرفها الناس حول المراحيض الحديثة. تغطي المرحاض ستارة متهالكة، ولكنهم يقضون حاجتهم فيها، ثم ينقلونها بواسطة «الجرادل» الخاصة، ومنها إلى سيارة «الطرنشات» التي تصل يومياً إلى المنطقة لتنظيف الفضلات.
عم سيّد ليس وحيداً في فقره المدقع، يشاركه نحو مليوني مصري يعيشون في المقابر المنتشرة في المحافظات المختلفة. وفيما يظن بعضهم أن هذه الظاهرة محصورة في قلب العاصمة نتيجة الاكتظاظ السكاني، وارتفاع أسعار العقارات، فإن التقارير تشير إلى انتشارها في محافظات مختلفة، بنسب متفاوتة، تحتل القاهرة صدارتها، خصوصاً لناحية أبناء الأقاليم الوافدين إليها.
وفي حين أن آخر إحصائية رسميّة صدرت عام 2008 وحدثت عن أن عدد سكان «التربة» وصل إلى مليون ونصف مليون شخص، فإن الأرقام ارتفعت بنسبة تزيد على 40%، بعد مرور ثماني سنوات، خصوصاً أن معدلات الإنجاب تضاعفت في مدد قليلة.
يعمل سيّد يومياً في المقابر ما بين ترميم المتهالكة منها وبناء أخرى جديدة. يرافقه زملاؤه من «ناس التراب»، ولمّا تغلق «حياة» المقبرة أبوابها في وجهه، ينطلق للعمل بالمياومة لبناء العقارات الحديثة داخل منطقة قريبة منه، تضم مشروعاً سكنياً «لمحدودي الدخل». يعرف سيّد جيداً أن السكان الجدد للمنطقة سيلقون حظاً عاثراً، فهؤلاء الفقراء الذين شيّدوا منازلهم، سيكونون واجهتها البائسة، الغارقة في هدوءٍ موحش.
يرث الناس عادةً أملاك أسلافهم، منها ذهب وفضة وبنايات وأموال، لكن سيّد، الملقّب بـ«التربيّ»، ورث عن والده الذي توفاه الله قبل أسابيع إرثاً فقيراً هو القبر! ومع أنه يعمل ويعيش هناك، لكنه لم يستطع دفنه في مقبرة تضم الأغنياء، بل في مقبرة «الصدقة» الخاصة بالفقراء!
يدبّر سيّد نفسه بالعمل في أكثر من مقبرة، مستطيعاً بذلك توفير دخل شهري شبه ثابت، تضاف إليه «تقدمة» من العائلات التي تأتي لزيارة موتاها. ورغم اضطرار زوجته إلى تقييد حركة طفلتيها خلال وجود ذوي الموتى عند عميلة الدفن، فإن الطفلتين تصرّان على الخروج والحصول على الصدقة، كذلك فإن الزيارات الموسمية توفر لهم مخزوناً كبيراً من الطعام البسيط الموزّع «عن الأرواح».

مطلبهم من الحكومة أن تكفّ عن مضايقتهم وتتركهم وحيدين

الرجل الستيني، عبد التوّاب، لا يختلف كثيراً عن حال «التربيّ»، فابنه البكر انتقل قبل سنوات للإقامة في منطقة مدافن حديثة، يعمل فيها على خدمة المقابر مقابل أجر من ذوي الموتى. يرى نجل عبد التوّاب أنه أكثر حظاً منه، لكونه يقيم في منزل صغير من طابق أنشئ بشكل عشوائي بالقرب من المقابر الجديدة، التي تضم أبواباً مصفحة وأسواراً تحيط بها، على عكس المقابر القديمة التي صارت كتلة بشرية مفتوحة.
يشرح عبد التوّاب عن منطقة المقابر التي يعيش فيها الآن، ويقول إنها كانت بعيدة للغاية عن المساكن ولا يعيش فيها إلا بعض المزارعين وحفّاري القبور. ويلفت إلى أن الوضع قد تبدل بعد إنشاء عدد من المساكن الحديثة التي وفّرت لهم أجواء «حياة أفضل»، فصاروا قادرين على شراء مستلزماتهم من أماكن قريبة.
المقبرة! ما أوحش هذا المكان الذي يقبض على روحك كعزرائيل. لا! إنه ليس كذلك بالنسبة إلى عبد التوّاب؛ أحلامه أقل وزناً من أحلامنا، وهو يجد في تلك العيشة راحة بال، وعظة يحصل عليها مجاناً من سماعه قصص الراحلين يومياً، إضافة إلى أنه نشأ وترعرع كولد صالح بين القبور، فيما لم ينهِ مرحلة التعليم الابتدائي.
لا يرغب عبد التوّاب سوى في أن يعيش بقيّة عمره في التربة، فهو كما يقول اعتادها ولا يستطيع الخروج منها، إضافة إلى أن له أصدقاء وأهلاً يعيشون برفقته، وإذا خرجوا فمن الصعب أن يجدوا مكاناً يجمعهم. ولا يطلب من الحكومة المصرية أن تنظر في حالهم أو تعطف عليهم... ببساطة، يريدها أن تكفّ عن مضايقتهم وتتركهم وحيدين.
خلص عبد التوّاب إلى نتيجة بسيطة عمادها «منطق الفناء»، يقول ضاحكاً: «هنخرج نروح فين؟ ده إحنا في الآخر هنيجي هِنا وندفن في تربة متر في متر، مع ناس تانية. فالدنيا مش مستهلة صراعات». يضيف: «وده اللي بنعلمه لولادنا، علشان كده أحلامهم بتبقى بسيطة، مستنين إنهم يخرجوا من الدنيا اللي هم ضيوف فيها علشان يروحوا الجنة. ما هو إحنا بنعلمهم الغلط والصح والحلال والحرام، وده أهم حاجة بتخليهم راضين ومقتنعين».
يختلف الوضع في «مقابر الإمام الشافعي»، وسط القاهرة، عن تلك التي يسكنها «التربي» وعبد التوّاب. فالمقابر التي تعّج بالسكان في كل «حوش»، تبدو حال ساكنيها أفضل نسبياً من ذويهم في المحافظات. هم تصلهم شبكة الصرف الصحي، رابطةً بعض المنازل، والمياه عندهم متوافرة، وصالحة للشرب. أمّا مشكلة هؤلاء، فهي مرتبطة بانتشار المتعاطين وتجار المخدرات الذين يستغلون غياب الأمن وظلام المقابر ليحلّوا بكثافة، باستثناء الأوقات التي تشنّ فيها قوات الأمن المصرية حملات دهم لا تطاول فيها الأهالي القاطنين هنا.
و«مقابر الإمام الشافعي» واحدة من بين المقابر الخاصة بالعائلات الكبرى، وهي تضم غرفاً ومرافق، والمقيمون هناك هم حراسها. كذلك فإن الطلبة القادمين من الأرياف يستأجرون غرفاً فيها، بسبب أسعار العقارات المجنونة.
محمود طالب جامعي يدرس التجارة، ويعيش في «حوش» يحمل اسم أحد «الباشاوات». هناك تمر السيارات بين «الأحواش» المنتشرة بفعل الشوارع الواسعة الفاصلة بينها. يقطن محمود مع أسرته المؤلفة من سبعة أفراد داخل غرفتين، ويفضّلون قضاء غالبية الوقت خارجها.
«أنا عاوز أخرج من هِنا بعد مَا خلص الجامعة... وأنا لسا بَدوّر على غرفة عشوائية في نفس المنطقة دي، بس طبعاً تكون أفضل، لإني مش عاوز يربوا ولادي بالظروف اللي أنا عشتها». يشرح محمود عن خطته المتواضعة مستقبلاً، ولا سيما أنه تعب من العمل في مصنع للحجارة وإعالة والده الستيني. يضيف أنه يخفي عن زملائه في الكليّة مكان سكنه، بسبب خجله من المجاهرة بالحقيقة. «كل ما قالوا زملائي إنهم عايزين يزوروني أتهرّب منهم... وأنا بقبض راتب 50 جنيه... عارف إنهم ما بيعملوش حاجة، بس أنا بوفر منهم حتى استأجر شقة».




جنينة ليس تحت الإقامة الجبرية


قال محامي القاضي السابق هشام جنينه، إن موكله منذ قرار عزله من منصبه في رئاسة «الجهاز المركزي للمحاسبات» (أعلى جهاز رقابي في مصر)، لم يصدر بحقه قرار قضائي بالمنع من السفر، أو وضعه تحت الإقامة الجبرية، وسط ترويج إخواني لهذا الخبر. وأضاف المحامي علي طه، رداً على ما نشرته صحيفة «وول ستريت جورنال» الأميركية، في وقت سابق، حول «وضع المستشار جنينة تحت الإقامة الجبرية بعد أيام قليلة من قرار إعفائه من منصبه الاثنين الماضي»، إن «ما تردد الساعات الماضية عن وجود قرار بمنعه (جنينة) من السفر أو وضعه تحت الإقامة الجبرية، غير صحيح، وهو موجود في منزله بالقاهرة».
وكشف طه عن أن «السلطات المصرية لم تعلن حتى الآن قرار عزل جنينة رسمياً عبر الجريدة الرسمية للدولة، كما هو متعارف عليه، ولم تطلبه في أي تحقيق قضائي بعد»، علماً بأن «المركز المصري للحقوق الاقتصادية والاجتماعية» (غير حكومي)، أقام الأربعاء أول طعن أمام محكمة القضاء الإداري في القرار الجمهوري.
(الأخبار، الأناضول)
وكانت الوكالة الرسمية المصرية، التي نقلت خبر إعفاء جنينة وتعيين المستشار هشام بدوي قائماً بأعماله، لم تكشف تفاصيل حول أسباب الإقالة.
غير أن الوكالة نشرت قبل قرار الإعفاء بياناً لـ"نيابة أمن الدولة العليا"، قالت فيه إن "التصريح الصحافي الذي أدلى به جنينة (منذ أشهر)، وزعم فيه اكتشافه لوقائع فساد تجاوزت قيمتها 600 مليار جنيه (حوالى 75 مليار دولار) خلال عام 2015، يتّسم بعدم الدقة، وأن الأرقام والبيانات التي قدمتها اللجنة المشكلة من الجهاز حول قيمة الفساد غير منضبطة، وتتضمن وقائع سابقة على عام 2012 وتكراراً في قيمة الضرر".

وكان المحامي "علي طه" قد قال الاثنين الماضي، للأناضول، إن "رئيس الجمهورية لا يملك عزل جنينة، حتى لو أصدر قانوناً سابقاً يجيز ذلك، لأن هذا وفق القانون يعتبر قانوناً عاماً، وهناك قانون خاص ينظم عمل الجهاز المركزي للمحاسبات لا يسمح بذلك، والقانون العام لا يقيّد الخاص".