لطالما قرأ التاريخ الفلسطيني من مرحلة ما بعد الإحتلال الإنكليزي، ضمن تجاهل كبير للإحتلال العثماني لبلادنا، وفي ذلك لعبةٌ استعمارية "خبيثة" لعب عليها كثيرون، بعضهم دون علمهم، والبعض الآخر تنبهاً وقصداً. كان كثيرون يعتقدون بأن خلافة بني عثمان هي استكمال للخلافة الإسلامية، لذلك اعتبروا أنها لم تكن احتلالاً، رغم أنَّ سلوكها وممارساتها كانت أسوأ من أي احتلال حصل لبلادنا. فمنعت كل مظاهر التطور والتمدّن والحضارة، وحوربت المدارس والمؤسسات التعليمية، وقتل حفظة القرآن ومعلموا الصبية في منازلهم، وتحكي إحدى الحكايا أنَّ أحد الولاة العثمانيين على منطقة "جبل عامل"(وتتضمن جانباً كبيراً من اصبع الجليل الفلسطيني) كان قد أمر جنوده باعدام كل من يعرف القراءة والكتابة. ولأن الحكاية كذلك، فإن تاريخ "المقاومين" الأصليين والأوائل قد "دمّر" بإرادة أو بدونها، ووسم صنّاع هذا التاريخ إما بكونهم "عملاء" للغرب، أو أنّهم "قطاع" طرقٍ لا استقلاليين. واحدٌ من الأسماء الأولى التي تخطر في البال هو الشيخ ظاهر العمر أو كما يعرف "بشيخ طبريا".
كان ظاهر العمر الزيداني أول حاكم "فلسطيني"(إذ ينتمي إلى بني زيدان وهي من القبائل العربية الأصلية في فلسطين، وكان والده وعمّه حكاماً في صفد وعكّا) لأرض فلسطين، كان والياً على صفد بدايةً، ثم على عكّا حينما عينه المحتل العثماني عليها العام 1705، إلا أنّه سرعان ما "فهم" فكرة "الاستقلال" على "الرجل المريض" (أي الدولة العثمانية آنذاك)، فقرر أن يتوسع صوب الداخل الفلسطيني. فاحتل طبريا في 1742؛ كانت خطيئته الكبرى أنه ببساطة استعان بالأوروبيين –وتحديداً "المسكوب" (أي الروس بحسب توصيف أهل تلك المرحلة)- لتثبيت دعائم حكمه ضد العثماني. تمكن العمر –بمساعدة الأسطول الروسي- من احتلال صيدا في 1751 وطرد واليها وامتد حكمه إلى العاصمة اللبنانية الحالية بيروت والتي دخلها في العام 1773 (أيضاً بمؤازرة من الأسطول الروسي والذي وعد قائده بثلاثماية قرش مكافأة في حال طرده لوالي بيروت أحمد باشا الجزار). كان ظاهر العمر استقلالياً بكل ما للكلمة مع معنى، حارب العثماني لأنه أراد أن يفرض ضرائبه على القرى الفلسطينية بشكلٍ جائر، فغضب العمر، وقرر إيقاف الضرائب –وكانت تسمّى"الميري"- مهما كلفه الأمر. بقي المملكة العمرية (أو الزيدانية) مملكة قائمةً قويةً مستقلة لأكثر من 30 عاماً كاملةً (إذ إنه قتل في العام 1775)؛ وكانت تلك التجربة واحدةً من أوائل التجارب الإستقلالية في الوطن العربي، إذ إنها رسمت ملامحاً لجميع حركات التحرر اللاحقة، فأن تقول "لا" بوجه قوةٍ متغطرسةٍ معناه أن تجهز نفسك لحربٍ ضروس لا تنتهي. وكان العمر إبان حكمه قد نقشت على أبواب عكّا الأبيات التالية:

بأمر الله هذا السور قاما
بعكا من فتى بالخير قاما
أبي الفرسان ظاهر المفدى
أعز الله دولته دواما
فباطن بابه الرحمات فيه
وظاهره العذاب لمن تعامى
وذا بالله صار حمى فارخ
بناك الله فخراً لا يسامى

اللافت في قصة الشيخ العمر أنَّ من قضى عليه لم يكن "عثمانياً" أبداً، كما إنه أيضاً لم يكن "غربياً"، لقد كان عربياً خالصاً. بداية الأمر جاءت من الخاصرة المصرية، حيث كان علي بك أبو الذهب حاكم مصر آنذاك طامعاً بالأراضي الفلسطينية الخصبة والتي كان يعتقد بأنها "تورث من يحكمها ذهباً"، أبو الذهب كان يحلم فعلياً بالذهب، فطلب الإذن من "الباب العالي" بالتحرك صوب العمر، الذي كان قد تحصّل وبالقوة على "استقلال" أرضه من خلال اجباره العثماني على اصدار "فرمان" رسمي يعلن فيه أن هذه الأرض للعمر وأبنائه من بعده. لم يستطع أبو الذهب القضاء على الشيخ، إذ توفى قبل أن تنتهي الحملة، لكن تلك المعارك أضعفت سيطرة الشيخ على كثيرٍ من الأماكن، مما مكّن أمير البحر العثماني حسن باشا الجزائري بمساعدة أحمد باشا الجزار من القضاء على أول ظاهرةٍ استقلالية في التاريخ الفلسطيني. سقط العمر مضرجاً بدماه، وحدهم أبناء جبل عامل في الجنوب اللبناني من احتضنوه ساعة سقوطه، فخبأوا أبنائه بينهم، وأعطوهم أسمائهم، وربّوهم كأنهم منهم، في نوعٍ من التكريم للرجل الذي تعامل معهم بالحسنى، وسمح لتجارهم بدخول مناطقه دون أي ضرائب تذكر (وفي هذا إشارة إلى أنَّ ذاكرة الناس لا تنسى الخير، كما إنّها بالتأكيد لا تنسى الشر ولا الاحتلال). وما آل زيداني المتواجدين وحتى اليوم هناك (في الجنوب اللبناني) إلا أحفاد "العمر" وإن تغيّرت أسماء عوائلهم، إذ إنّهم فروا إلى هناك، ذلك أنَّ تقاليد الحروب آنذاك كانت تقتضي بالقضاء على عائلة المغلوب "بكاملها".
يمتلئ التاريخ الفلسطيني بشخصيات حاولت وجرّبت ونجحت حتى في أن تكون فلسطين دولةً/مملكة حرةً مستقلة، وما إصرار الصهاينة على طمس ذلك التاريخ واخفاءه، إلا دعماً لمقولتهم بأن هذه الأرض لم يكن بها أي حضارة، وحتى إنّها لم تكن مسكونةً من قبل. وقد ظهرت قبل سنوات رواية ملحمية مهمّة للشاعر والروائي الفلسطيني إبراهيم نصرالله تدعى "قناديل ملك الجليل" تروي سيرة العمر وإن ببعدٍ "درامي" أكثر من سياقٍ تاريخي فحسب.