موجة من الرفض كان يتوقعها بكل تأكيد مفتي الجمهورية المصرية علي جمعة عندما اتخذ قراره بزيارة القدس وهي تحت الاحتلال الصهيوني، لكن ما لم يكن يتوقعه أن تكون تلك الموجة عالية لهذه الدرجة. مطالبات كثيرة من مؤسسات غير رسمية تطالبه بالاستقالة من منصبه، بينما اعتبرت أغلبية الاحزاب المدنية والإسلامية والحركات الثورية زيارته «كارثية وعاراً، وعليه أن يعتذر عنها».


إلّا أن جمعة أصرّ على موقفه واضعاً زيارته للقدس في اطار شخصي وليس رسمياً.
وقال في مؤتمر صحافي عقده أمس «زيارتي كانت بدعوة من ملك الأردن. وأنا لم أدخل بتأشيرة إسرائيلية، ولم أر طوال طريقي إلى بيت المقدس إسرائيلياً واحداً». وأضاف «تلك الزيارة هي نعمة من الله لم أستطع رفضها»، مؤكداً رفضه تهم التخوين التي تعرض لها منذ الإعلان عن زيارته للمسجد الأقصى، موضحاً «تلك وجهة نظر ولا يجوز لأحد أن يخون آخر، ومن الواجب علينا ألا نترك هذه المدينة المقدسة». وفي محاولة للتخفيف من وطأة خطوته التي أثارت انتقادات واسعة، قال جمعة إنه يحمل رسالة إلى الشعب المصري من المقدسيين مفادها بأن «المقدسيين يستغيثون بكم فلا تنسوهم وابقوا بجانبهم، فالقدس عزيزة علينا ولو هودت لضاعت منا».
إلّا أن مؤتمر جمعة الصحافي لم يفلح في تهدئة موجة الغضب التي انطلقت بمجرد الاعلان عن زياته وخصوصاً بعدما ذكرت اذاعة الجيش الاسرائيلي أن الزيارة السرية التي قام بها مفتي الديار المصرية، إلى المسجد الأقصى تم تنسيقها عبر وحدة الاتصال مع القوى الأجنبية التابعة للجيش الاسرائيلي.
وعقب اجتماع طارئ لمجمع البحوث الإسلامية، إحدى المؤسسات التابعة للأزهر الشريف ويرأسه أحمد الطيب شيخ الأزهر، جدد المجمع في بيان له رفضه زيارة القدس والمسجد الأقصى تحت الاحتلال الإسرائيلي. وأوضح الأمين العام لمجمع البحوث الإسلامية، علي عبد الباقي، أن «المجمع استمع إلى إيضاحات من المفتي حول ملابسات زيارته للقدس والظروف التي تمت فيها، وأنها جاءت في إطار علمي وليست بصفة رسمية».
من جهتها، تركت جماعة الاخوان المسلمين لحزب الحرية والعدالة التابع لها، اعلان موقفه من زيارة المفتي للقدس. وقال الأمين العام المساعد للحزب، أسامة ياسين، إنهم «رافضون بشكل قاطع للزيارة التي قام بها مفتي الديار المصرية للقدس، مهما كانت المبررات والأسباب»، وأكد أن الزيارة «تمثل كارثة حقيقية وضربة موجهة للجهاد الوطني الذي نجح في إفشال كل محاولات التطبيع طوال السنوات الماضية».
كذلك رفض الحزب مبررات المفتي. وأوضح أن جمعة بزيارته «لم يكن يمثل فيها نفسه، وإنما يمثل أحد المسؤولين في المؤسسة الدينية الرسمية، وبالتالي فإن ما قام به لا يقبل تبريره ولا يمكن تمريره بل يجب مساءلته بالشكل الذي لا يسمح بتكرار مثل هذا الموقف من أي شخصية اعتبارية رسمية». وشدد على أن المفتي خالف «الفتاوى التي أصدرها الأزهر ومجمع البحوث الإسلامية وكبار علماء الأمة».
أما المتحدث الرسمي لحزب النور السلفي، يسري حماد، فأوضح أن مؤسسة الأزهر تمثل دول شمال أفريقيا والدول العربية جميعاً، وكان ينبغي للمفتي أن يعلم أن موقفه لا يعبر عن قرار شخصي وإنما هو قرار رمز إسلامي كبير. وشدد في حديث لـ«الأخبار» على أن الحزب «يرفض التطبيع وأنّ ما قام به جمعة لا ينبغي أن يكون». ورغم أن حماد نفسه اتهم بالتطبيع بعد حوار صحافي أجراه منذ أشهر مع إذاعة الجيش الإسرائيلي، «اتهم جمعة بأنه أحد فلول النظام المخلوع»، مؤكداً أنهم في الحزب لم يفاجأوا بموقفه من زيارة القدس.
بدوره، أكد حزب الكرامة «القومي العربي» على رفضه للزيارة واعتبرها «منكرة» لأنها انحراف عن الثوابت الوطنية ضد التطبيع وتعكس ظلالاً كئيبة من سياسات النظام الفاسد القديم الذى يحتضر. وأوضح الحزب أن خطوة جمعة «تدعونا إلى تطهير مؤسسات الدولة من هذه الرموز القديمة»، مطالباً باستقالة المفتي.
وفي السياق، نظم المئات من طلاب جامعة الأزهر، تظاهرة أول من أمس داخل المدينة الجامعية في مدينة نصر، أكدوا فيها رفضهم لزيارة المفتي والصلاة في المسجد الأقصى، تحت الاحتلال الإسرائيلي. واعتبروا أن الزيارة تأتي في سياق «الرغبة بالتطبيع مع العدو الصهيوني رغم الرفض الشعبي لذلك». وهتفوا «هنرددها جيل ورا جيل لن نعترف بإسرائيل». كذلك، اتهموا المفتي بالخيانة وهتفوا «يادي الذل والخيانة المفتي خان الأمانة».
موقف مماثل اتخذته نقابة الدعاة المصريين، بتأكيدها على رفضها للزيارة لأنها «نوع من أنواع التطبيع مع الكيان الصهيوني، ويتضمن إقراراً بسيادة الاحتلال على المسجد الأقصى المبارك، واعترافاً بشرعية هذا الاحتلال البغيض».
من جهته، وصف النائب وحيد عبد المجيد، عضو البرلمان المصري، سفر المفتي للقدس بأنه «أمر مشين». وقال لـ«الأخبار» إنه يعتبر اختراقاً للموقف المصري الرافض للتطبيع، واختراقاً أيضاً للقرارات الصادرة عن مختلف الهيئات الدينية المسيحية والاسلامية الرافضة للتطبيع. ولم يستبعد أن يطرح الأمر للنقاش داخل البرلمان، فيما أكد وكيل نقابة الصحافيين، جمال فهمي، أن الزيارة «صادمة ومخزية».
وامتدت المواقف المنتقدة للمفتي لتشمل عدداً من المرشحين للرئاسة. وطالب حمدين صباحي جمعة، «بتقديم استقالته من منصبه احتراماً لمقام منصبه الرفيع»، فيما أكد محمد سليم العوا رفضه الزيارة، داعياً «إلى الجهاد لتحرير القدس بدلاً من زيارات التطبيع مع العدو الصهيوني».
أما حزب البناء والتنمية، الذراع السياسية للجماعة الإسلامية، فكان الجهة الوحيدة التي اعتبرت أن زيارة المفتي «جائزة من الناحية الشرعية لأنها أرض إسلامية، وهو أمر تعبدي جائز لعموم المسلمين، ولا سند لتحريم مثل هذا الأمر أو تجريمه من الناحية الشرعية». لكن الحزب أكد في الوقت نفسه على ضرورة «مراعاة الوضع السياسي للبلد كونها أرضاً محتلة، ولا بد من مراعاة إن كانت مثل هذه الزيارة تحمل في طياتها معنى التطبيع مع الكيان الصهيوني».