القاهرة | مثلما كان متوقعاً، أطلقت زيارة مفتي الديار المصرية علي جمعة للمسجد الأقصى في القدس المحتلة، آلاف التعليقات الرافضة لها في وسائل الاعلام ومواقع التواصل الاجتماعي. والكثير من التعليقات المنتقدة قارنت بين موقف دار الافتاء، وموقف الكنيسة الأرثوذكسية القبطية التي لطالما رفض رأسها الراحل البابا شنودة الثالث حجّ الأقباط إلى القدس أو زيارتها حتى، «إلا مع إخواننا المسلمين بعد تحريرها» بحسب عبارته الشهيرة. موقف الكنيسة الأرثوذكسية لم يكن محصوراً بعهد شنودة، بل هو مقتبَس من سلفه البابا كيرلس السادس، الذي أوقف سفر الأقباط إلى القدس في 1968 بعد عام من وقوعها تحت الاحتلال، وهو ما بدا متوافقاً مع ما عُرف به من علاقة وثيقة مع الرئيس الراحل جمال عبد الناصر.


إلا أن زيارة الرئيس الأسبق أنور السادات للقدس، ورفض شنودة مرافقته في أواخر السبعينيات من القرن الماضي، مثّلت بداية الشقاق بينهما، والذي أوصل نهاية الأمر إلى عزل البابا وإبعاده إلى دير في وادي النطرون في صحراء مصر الغربية، خلال ما عُرف بـ«اعتقالات سبتمر 1981»، التي سبقت اغتيال السادات بأقل من شهر.
وكما أنّ خراب العلاقة مع رأس الدولة كان ثمناً لرفض شنودة التطبيع مع إسرائيل، فإن الاصرار على زيارة القدس والحج إلى الاماكن المقدسة هناك، رغماً عن قرار الكنيسة، قد كلّف أصحابه بدورهم ثمناً أغلى ــ على الأقل من وجهة نظرهم. ذلك أن بطريرك الكرازة المرقسية كان مصرّاً على مواجهة الأمر بحسم، حتى وصل به الأمر حدّ اتخاذ قرار بحرمان مَن يُقدم على عصيان القرار البابوي من ممارسة أسرار الكنيسة. عقوبة لا تزال تهدِّد مَن يزور الأراضي المحتلة رغم وفاة البابا، «وسيخضع لها أولئك الذين أقدموا على زيارة القدس في تلك الوفود أخيراً»، على حد تعبير الأنبا مرقص، الناطق الرسمي باسم الكنيسة الأرثوذكسية لـ«الأخبار»، في اشارة إلى وفود من مئات الأقباط زاروا القدس قبل فترة. وكشف مرقص أن مدّة نفاذ الحرمان على صاحبه، ستتقرر بناءً على رأي أسقف المنطقة التي يعيش فيها، «في حين أن البابا شنودة كان يفرض حرماناً لمدة سنة في هذه الحالات، إلا في ظل استثناءات من قبيل المسنّين الذين كان الحنين يأخذهم إلى القدس خشية من الانتقال (الوفاة) قبل رؤيتها».
المتحدث باسم الكنيسة شدّد أيضاً على أن زيارة المفتي جمعة للقدس لن تغيّر شيئاً من موقف كنيسته، فـ«القدس لم تتحرّر بعد، وموقف الشيخ علي جمعة لاقى انتقادات واسعة» على حد تعبيره. موقف مماثل تبنّته الكنيسة الانجيلية، كون «المفتي ليس كل المسلمين»، وفق القس إكرام لمعي الذي استند في حديثه مع «الأخبار» إلى رفض مشيخة الأزهر الزيارة.
إلا أن كنيسته تختلف مع نظيرتها الأرثوذكسية في منحها الحرية لرعيّتها إزاء زيارة القدس الواقعة تحت الاحتلال الإسرائيلي من عدمه، كون «الكنيسة الانجيلية قالت إنها تقف ضد تلك الزيارات منذ السبعينيات، لكنها لا توقِّع عقوبات على المخالفين، وتترك لهم حرية الاقتناع برأيها من عدمه»، بحسب لمعي.
في المقابل، وقفت الكنيسة الكاثوليكية ــ أصغر الكنائس في مصر ــ وحدها في هذا الشأن، إذ إنها لم تعلن موقفاً ضد زيارة القدس، وهو ما فُسر على أنه تأييد ضمني لمعظم الحجاج المصريين الكاثوليك ــ على ضآلة عددهم ــ لزيارة القدس.
وكان المتحدث باسم هذه الكنيسة رفيق جريش، قد أوضح في تصريحات صحافية تعقيباً على زيارة وفود قبطية للقدس أخيراً، والتي لاقت اهتماماً اعلامياً واسع النطاق تحسُّباً لتغير الموقف من زيارة القدس بعد وفاة شنودة، إن كنيسته «لا تمانع في زيارة الأماكن الدينية في القدس».