القاهرة | «دين أبوهم اسمو إيه؟ إلّي باع وطن بحالو، خضرتو وصفرة رمالو، نسوتو وشهوة رجالو، بهجتو ودمو وعيالو، خطوتو وسنين نضالو، ثورتو ضد احتلالو». لم يجد الشباب في مصر أفضل من قصيدة الشاعر جمال بخيت «دين أبوهم اسمو إيه» للرد على قرار الهيئة العامة للبترول التابعة لوزارة البترول بوقف تصدير الغاز الطبيعي إلى إسرائيل، ليس بسبب إهدار المال العام، بل بسبب امتناع إسرائيل عن سداد قيمة 1.7 مليار متر مكعب من الغاز تستورده من مصر سنوياً منذ 2008.


القرار الرسمي لوزارة البترول بوقف إمداد إسرائيل بما يزيد على 40 في المئة من احتياجاتها من الغاز، لم يسهم في إزالة الغضب والاحتقان الذي يعيشه المجتمع المصري منذ بداية التصدير في 2008، على مدار 5 سنوات، تكبّدت مصر خلالها خسائر قدّرها الخبراء بـ28 مليون جنيه يومياً، نتيجة تصدير الغاز إلى عدد من الدول كتركيا وفرنسا وإسبانيا والأردن وإسرائيل بسعر 75 سنتاً للمليون وحدة حرارية، في الوقت الذي تُقدَّر فيه قيمة المليون وحدة حرارية طبقاً للأسعار العالمية بما بين 10 و15 دولاراً. ويحصل التصدير عبر أنبوب طوله 100 كيلومتر يمتد من سيناء إلى ساحل مدينة عسقلان جنوب سواحل فلسطين المحتلة على البحر المتوسط. ظلت مصر ترسل الغاز الطبيعي إلى إسرائيل بموجب اتفاقية وقّعتها الحكومة المصرية عام 2005 مع إسرائيل، بمباركة صديق الرئيس المخلوع، حسين سالم. اتفاقية تنص على أن تقوم «شركة غاز شرق المتوسط»، المعروفة إعلامياً بشركة حسين سالم، بتصدير الغاز المصري الى إسرائيل بموجب عقد شراكة بين سالم ومجموعة «ميرهاف» الإسرائيلية، وشركة «أمبال» الأميركية ـــ الإسرائيلية، وشركة «بي تي تي» التايلندية، إضافة إلى رجل الأعمال الأميركي سام زيل لتصدير ما يقارب 2 مليار متر مكعب من الغاز إلى إسرائيل سنوياً لمدة 20 عاماً، بسعر يقل عن نصف ثمن تكلفة استخراجه وإيصاله إلى فلسطين المحتلة. ورغم اعتراض عدد من أعضاء مجلس الشعب في حينها على تلك الاتفاقية، إلا أن غالبية الحزب الوطني داخل البرلمان، وارتباط الموضوع بالصديق المقرب لحسني مبارك، وما أُثير عن حصول نجلَي مبارك جمال وعلاء على عمولات من سالم لقاء إبرام صفقة الغاز مع إسرائيل، حالت دون المساس بالاتفاقية، وبالتالي صدّق مجلس الشعب عليها. كل ذلك مع حصول شركة سالم على إعفاء ضريبي من الحكومة المصرية لمدة 3 سنوات من 2005 إلى 2008.
الرفض الشعبي لتلك الاتفاقية لم يهدأ، فلجأت القوى السياسية إلى التظاهر ومقاضاة الحكومة لوقف التصدير، وتأليف جبهات ضد القرار، بما أن تصدير الغاز إلى إسرائيل هو «نكسة لا تقل وطأتها عن هزيمة 1967». إلا أن جميع تلك التحركات لم تأتِ بثمارها ولم تثنِ النظام المصري عن الاستمرار بتصدير الغاز، حتى مع انضمام الخبراء الجيولوجيين إلى حملات لسياسيين، وتحذيرهم من دخول مصر مرحلة الخطر بسبب انخفاض احتياطياتها من الغاز إلى معدلات خطيرة، إضافة الى تأكيد جهات قضائية أن نصوص اتفاقية تصدير الغاز إلى إسرائيل تسبّب خسارة مصر جزءاً من سيادتها وتحكّمها في مصدر مهم من مصادر ثروتها. معلومات كشف عنها المستشار عادل فرغلي، رئيس محاكم القضاء الإداري الأسبق لـ«الأخبار»، قائلاً إنّ الحكومة المصرية أرسلت عام 2008 سبع اتفاقيات خاصة بتصدير الغاز للدولة العبرية إلى قسم التشريع في مجلس الدولة على اعتبار أنه «جهة قضائية مختصة بمراجعة الاتفاقيات والقوانين قبل عرضها على مجلس الشعب». هدف إرسال الاتفاقات إلى مجلس الدولة كان مراجعتها والتوصل الى صيغة لرفع أسعار التصدير من 70.5 سنتاً للمليون وحدة حرارية من الغاز الى 3.65 دولارات. وبالفعل، عدّل قسم التشريع، بحسب فرغلي، الاتفاقيات وأرسلها إلى وزارة البترول، لكن الطرف الإسرائيلي رفض الاستجابة للمطالبة بتعديل الأسعار بحجة أن الشركات الإسرائيلية ملتزمة بما جاء في الاتفاقية المبرمة في 2005، التي تحدد أسعاراً تبدأ من 70.5 سنتاً ولا تتجاوز 1.75 دولار أميركي. ولم يمنع ذلك حكومات مبارك في نهاية 2010 من إبرام اتفاقيات جديدة مع تل أبيب لزيادة كمية الغاز المرسَل إلى دولة الاحتلال من 1.7 مليار متر مكعب إلى 2.9 مليار متر مكعب لـ20 عاماً، تبدأ من 2010 بالأسعار القديمة نفسها، وهو الأمر الذي ذكرته عدة شركات إسرائيلية قبل تنحّي مبارك بشهرين، ولم تنفه الحكومة المصرية في حينها.
ومع اندلاع ثورة يناير، وتسلم المجلس العسكري سلطات الحاكم، بادرت القوى والتيارات السياسية إلى مطالبته بالتوقف عن ضخ الغاز لإسرائيل، وهو ما ردّ عليه رئيس الوزراء السابق عصام شرف، في أول أيام تولّيه لمنصبه في بداية نيسان من العام الماضي، بما يفيد بأنّ مصر لن تستطيع إلغاء تعاقداتها بشأن تصدير الغاز مع إسرائيل وغيرها من الدول، ولكن يمكنها مراجعة عقود التصدير، وهو ما وعد شرف بأن يترتّب عليه زيادة العائدات المصرية إلى 4 مليارات دولار. لكن مرّت الأيام ولم يحدث شيء، وهو ما جعل المصريين، وفق تعبير منسّق حملة «لا لبيع الغاز للكيان الصهيوني» السفير إبراهيم يسري، «يعتمدون على أنفسهم في التعبير عن رفضهم لإهدار المال العام وتصدير الغاز المصري بأقل من أسعاره عالمياً إلى عدد من الدول، وخصوصاً إسرائيل التي يعتبرونها عدواً لهم». تعبير تُرجم بتفجير خط الغاز المتجه إلى الأراضي الفسطينية المحتلة 13 مرة خلال عام واحد منذ اندلاع الثورة وسقوط مبارك.
اليوم، يقلِّل يسري من أهمية قرار وقف تصدير الغاز، بما أنه «لو كان إلغاءً كاملاً للاتفاقية وليس مجرد وقف، لأنقذ سمعة العسكر وبرّأهم من تهمة تبديد الثروة». ويوضح أنّ السبب في التوقف عن التصدير هو عدم دفع الشركة المستوردة مستحقات مصر منذ 2010، مشيراً الى أن المجلس العسكري فعل ما قام به مبارك تماماً منذ 2008، ولم يجد غضاضة في التبرع للخزينة الإسرائيلية بـ10 ملايين دولار يومياً قيمة الغاز الذي يصل إليه من مصر، و«ذلك لن يدفعه إلى إلغاء الاتفاقية برمّتها، بل إلى وقف التصدير مؤقتاً» بحسب يسري.