شكّل وجود ثلاثة شبّان غرباء قرب مدرسة «دمسرخو» الابتدائية ارتياباً لسكّان المنطقة الواقعة شمال مدينة اللاذقية على الساحل السوري. فدوران هؤلاء الشبان حول المبنى المدرسي، أسهم في إثارة شكوك حراس المدرسة حيالهم.


تنامي الحس الأمني لدى كثير من السوريين، دفع الأشخاص الموجودين في المنطقة إلى محاصرة الشبان الثلاثة، ليتبيّن أن أحدهم من حلب والآخر من إدلب، الأمر الذي استدعى إبلاغ رجال الأمن وتسليمهم لهم، ولم يعرف حتى اللحظة مصير هؤلاء الشبان وهل أطلق سراحهم أم أنهم كانوا فعلاً يخططون لعمل أمني ضد المدرسة.
ورغم أن الشائعات حول تفخيخ مدرسة في مدينة طرطوس لم تصدق، إلا أن التفكير فيها بقي مخيماً على نفوس السوريين كل صباح عند إرسال أبنائهم إلى مدارسهم، متسائلين هل يمكن أن تصل الوحشية بأي كان إلى القيام بمجزرة كهذه؟
وبين هذا الطرف أو ذاك، فإن حالة التعبئة والشحن لأطفال سوريا تتجاوز حدود المعقول، إذ إن إعلان الأمم المتحدة الأخير بشأن مظلومية الطفولة السورية، كشف أقصى حدود استغلال الأطفال خلال الأزمة الأخيرة، حيث صرّحت راديكا كوماراسوامي، ممثلة الأمم المتحدة الخاصة بشأن الأطفال والصراعات المسلحة، بأن «المعارضين السوريين متهمون باستخدام الأطفال في القتال، في خرق للاتفاقيات الدولية التي تحظر تجنيد الأطفال».
مع بداية الحراك بدأ ناشطون الدعوات ليوقف كل طرف، أيّاً كان، استغلاله الأطفال في محاولة ترجيح الكفة السياسية لمصلحته، فاتّهم مرصد نساء سوريا العلماني المعارض بعض المتظاهرين باستخدام الأطفال كسلاح للتأثير واستدرار عطف الرأي العام بوضعهم في واجهة التظاهرات. وهُنا يحضر في المشهد السوري أطفال قرية كفرنبل رافعين لافتات تتسم بالظرافة أحياناً وبالقسوة أحياناً أُخرى، لكنها لا يمكن أن تكون طفولية بأي حال من الأحوال.
فأطفال كفرنبل يفهمون في السياسة، بما فيها الدستور، ولهم رأيهم في مشروعه الجديد، كذلك فإنهم متخصصون في كيل الشتائم للنيل من شخص الرئيس وعائلته، وفي الوقت نفسه هم جاهزون لطلب التدخل الخارجي وإثارة العطف أحياناً أو السخرية أحياناً أخرى.
على المقلب الآخر، ترى أطفالاً على أكتاف آبائهم في المسيرات المؤيدة للنظام السوري. يرسمون العلم على وجناتهم أو شعار «منحبك» الذي يقصدون به الرئيس بشار الأسد.
مصادرة الأهالي لعقول أطفالهم الصغيرة، تتحدث عنها المعلّمة الاختصاصية في مجال التربية هنادي ج.، التي تنقل مواجعها التربوية فتقول: «للأسف، إن البلاد تمر اليوم في لعبة فرز قذرة جعلت الأطفال وقوداً لها. فما أكثر الكلمات التي يقولها الكبار ويرددها الصغار من دون فهم للمعنى. تسمعهم يقولون: «مندس»، «عوايني»، «إرهابي» وكلمات أُخرى تفاجئنا يومياً».
بتأثر تشرح المعلمة عمق الفجوة اليوم بين أطفال سوريا، وترى أن أسوأ ما تعيشه الطفولة اليوم هو اختفاؤها، وتوضح ذلك قائلة: «أنت تبحث في عيونهم فلا ترى إلا الخوف، وفي مفرداتهم لا تسمع سوى الشتائم أو السياسة أو ترويج الشائعات، أما في دروسهم فلا تجد إلا التقصير».
زيارة قصيرة لغرفة الصف ضمن مدرسة في منطقة مؤيدة للنظام تفي بالغرض؛ إذ ليس من الصعب التأكد ممّا تحدّثت عنه المعلمة إن كانت الزيارة في موعد حصة الرسم تحديداً، ما يسهم في توضيح الصورة التي تتلخص برسم معظم الأطفال معارك وجنوداً وأعلاماً سورية تخفق وعبارات مرادفة لكلمة: «منحبك»، ورسومات أُخرى تعبّر عن توجهات أهالي الأطفال والتلفزيون السوري الرسمي.
ويستكمل المشهد من خلال سعيد، تلميذ في الصف الأول، يشرع في البكاء موجّهاً السؤال إلى معلّمته المشدوهة: «هل حقاً سيهجم الإرهابيون علينا؟». لا رد يشبع تساؤل الصغير؛ إذ إنه ومعلّمته وربما كلّ السوريين _ على ما يبدو _ في التساؤل سواء.