رياح التغيير هبّت أخيراً على مستشفى الهمشري التابع لجمعية الهلال الأحمر الفلسطيني. فبدءاً بالإدارة وصولاً إلى الإصلاحات داخل مبنى المستشفى مروراً بعلاقة الطاقم الطبي مع المريض، طال التغيير كل شيء تقريباً، والأسباب بحسب ما تشير إليه مصادر من داخل إدارة الجمعية، هي التحركات الشعبية المطالبة بتحسين أوضاع المستشفى من جهة، وما نشرته «الأخبار» من جهة أخرى من تحقيق عن الفساد المستشري داخله، ما دفع بالجمعية إلى فتح تحقيق في ملفاته. هكذا، وبعد ستة اشهر تقريباً من التحقيقات، قامت الجمعية بتغيير في الطاقم الإداري، إضافة الى ما تيسر من إصلاحات دعينا الى معاينتها. وبالفعل، فإن المتجول داخل المستشفى يحس بأن شيئاً ما قد تغير: من الشكل اولاً حيث لبست الجدران حلة جديدة من الطلاء، كما استبدلت الأبواب بأخرى جديدة، إضافة إلى بعض التعديلات الطفيفة التي طالت الديكور، ووضعت ملصقات على الجدران من شأنها تنبيه المريض إلى حقوقه وواجباته، والأهم: دعوته إلى مراجعة الإدارة في حال وجود أي ملاحظة إضافة إلى لفت نظره الى صندوق الشكاوى.


أما التعديلات الجوهرية فلا يمكن استقاؤها إلا داخل غرف المرضى ومن اهاليهم. هناك، وللوهلة الأولى تهتز تلك الصورة البرّاقة التي يطلع بها المتجول: فبقع الدماء الجافة والقانية التي تلطخ مثلاً شرشف سرير المريض «أبو سليمان»، والتي تعود إلى أكثر من يوم على الأقل، تبدو كفيلة بهزّ الصورة بعض الشيء. «أزمة النظافة في المستشفى لم تتغير كثيراً عن السابق، وبدليل أن تغيير الشراشف لا يحصل يومياً، وتنطبق الملاحظة نفسها على النظافة العامة (الأرض وغيرها)»، يقول أبو سليمان، دون أن ينكر التغيير الحاصل في تعاطي الممرضين والأطباء مع المرضى، إذ أضحت العلاقة أكثر مرونة. على سرير آخر يستلقي أبو علاء حسن الذي يبدو غارقاً في مشاهدة التلفاز، وهو جهاز دخل غرف المرضى في المستشفى حديثاً. حسن الذي لمس بعض التغيير في المستشفى، لا يبدو راضياً عن أمور كثيرة فيه يراها «بعدها زي ما هي»، لا سيما لجهة النظافة والاهمّ خبرة الطاقم الطبي لا سيما الممرضين، «فغالباً ما يتم الاعتماد على المتدربين منهم، فنحس بأننا حقل تجارب». من جهتها ترى أم أسامة أحمد أن «أفضل التحسينات التي طالت المستشفى، هي تلك المتعلقة بالخدمات المقدمة في قسم الامومة والتوليد». تقارن أم أسامة تجربتها الحالية بالولادة السابقة لتكشف عن تحسن كبير من ناحية الخبرة الطبية، كذلك من ناحية المعاملة خصوصاً أن المستشفى بات يقدم هدية عبارة عن مساعدة عينية لكل أم تلد فيه.
ومهما يكن فإن التغيير الأساسي الذي يمكن ملاحظته هو ذاك الذي طال الطاقم الاداري، والذي كان من شأنه إحداث تلك التغييرات في المستشفى. وإذ ينفي المدير الإداري في المستشفى الدكتور فادي سلامة أن يكون التغيير بسبب ملف الفساد، يفسر ما حصل بأنه كان هناك شرخ بين الادارة من جهة والموظفين من جهة أخرى، ما أحدث تدنياً ملحوظاً في مستوى تقديمات المستشفى وخدماته. لكن، تؤكد مصادر موثوقة من داخل إدارة الهلال الأحمر الفلسطيني، أن السبب الأساسي وراء هذا التغيير هو ما تم كشفه في التحقيقات التي تجريها الادارة حالياً عن تورط بعض المسؤولين في الادارة السابقة بالتزوير في ملفات مالية تخص المستشفى، وأن التحقيقات ما تزال جارية لكشف المزيد من المتورطين فيه. من هنا يتخوف مسؤول الشؤون الاجتماعية للجان الشعبية في منطقة صيدا فؤاد عثمان، من «لملمة القضية والاكتفاء بمحاسبة هؤلاء فقط»، مشيراً إلى أن «ما كشفته جريدة الأخبار حول الفساد المستشري، ثبتت صحته حين احيل بعض الموظفين للتحقيق بتهمة الفساد، رغم كل محاولات التضليل التي مورست للدفاع عن ادارة المستشفى، من قبل احدى اللجان الشعبية».
ويستفيض عثمان قائلاً «ادارة الهلال الاحمر الفلسطيني معنية باستكمال التحقيق حتى نهايته، وصدقيتها بذلك على المحك»، معتبراً أن «التحسن الذي طرأ مؤخراً طال الطاقم الاداري والعلاقة بين المريض والمستشفى، لكنه ليس كافيا، فالمطلوب تحسين مستوى الخدمات الصحية والاستشفائية، من خلال رسم سياسة ادارية جديدة على اساس الشفافية والثقة بين الادارة والموظفين، ومحاسبة كافة المتورطين في الفساد دون تمييز».
ويعترف المدير العام للمستشفى د.رياض أبو العينين من طرف غير مباشر بالتغيير لجهة «ان ثقة المريض بالمستشفى بدأت تعود رويداً رويداً، إذ إن عدد المرضى منذ 6 أشهر زاد بشكل جد ملحوظ، وذلك يعود إلى ما قمنا به من دورات لتأهيل الطاقم الطبي والاداري حول كيفية التعاطي مع المريض»، وحالياً، يضيف، «نفرض عقوبات صارمة على كل موظف لا يلتزم بذلك». اما بالنسبة إلى موضوع النظافة، يقول أبو العينين «رفعنا الميزانية، لكن الخدمات الفندقية مكلفة جداً ونحتاج إلى وقت لتقديم الأفضل خصوصاً أننا مؤسسة إنسانية، ونعمل حالياً ضمن خطة لتطوير للمستشفى خلال 3 سنوات ليصبح نموذجياً قادراً على أن يلبي جميع الخدمات الاستشفائية للشعب الفلسطيني».




تكشف مصادر إدارة الهلال الأحمر الفلسطيني أن التحقيقات الجارية في ملف الفساد في الهمشري، والتي يتولاها محامي الجمعية، كشفت أن مسؤولين اداريين سابقين فيه محالين إلى التحقيق بتهمة بالفساد، اعترفوا ببيع بعض الأجهزة التي كانت تصل المستشفى من الجمعيات والمنظمات، إلى مستشفيات خاصة، اضافة لبيع بعض الأدوية إلى الصيدليات، كما تبين أن هناك تزويراً في عدد الفحصيات التي يجريها الطبيب فيه بالتواطؤ مع هؤلاء المذكورين، إضافة الى الكثير من المغالطات في ما يختص بالأمور المالية في المستشفى