كأنها لعبة «ماتريوشكا» فلسطينية: شخص داخل شخص بجوفه شخص. هذه هي حال عائلات فلسطينية عاشت الشتات أكثر من مرة، منها عائلتي. أولها عندما احتُلت قريتنا دير حنا، فهربت العائلة الى قرية قانا اللبنانية. لماذا قانا؟ لأن جدة تلك العائلة لبنانية الأصل، ومن تلك القرية بالتحديد. بعد قانا كان «الشتات الثاني» من القرية الجنوبية باتجاه بيروت.


الجدّ الذي كان يملك الكثير من المال في فلسطين لم يسكن في أيّ مخيم، ورفض مساعدات «الأونروا» وإعاشتها، معتقداً أن لجوءه لن يطول كثيراً، وأن المسألة مسألة أسابيع فقط. فالجيوش العربية ستحرر الأرض في غضون ايام، والأهم لجدي أن هناك من يحتاج إلى الإعاشة اكثر منه. عاش الرجل وأبناؤه في منطقة برج البراجنة، وعلى أطرافها. وكانت كلما ساءت الاحوال الاقتصادية، لأن إقامته طالت في لبنان وأمواله بدأت بالشح، اقترب أكثر من مخيم البرج، وأصبح لمساعدات الأونروا مبرر.
لم ينحصر شتات تلك العائلة في الجغرافيا فقط، بل طاولها الى شتات من نوع آخر، ديموغرافي لتغيّر اسم الشهرة. فالعائلة في فلسطين كانت من آل حسين، أما في لبنان، فأصبحت من آل يوسف، وذلك خلال إحصاء الأونروا الأول لمن خرجوا من أرضهم، ثم قاسم خلال الإحصاء الثاني، وهو الإحصاء الذي قامت به الدولة اللبنانية. بالطبع لن تنتهي قصة الشتات هنا، فأربعة من ابناء العائلة الخمسة، قرروا ترك لبنان والانتشار في أصقاع الأرض. زهير توفي في ألمانيا ودفن هناك، أما ابناؤه، فيعيشون في البلد نفسه الذي دفن فيه والدهم. رشيد توفي في السعودية، ودفن هناك، بينما يعيش أبناؤه في لبنان. سهيل، والدي، توفي في أميركا، ودفن هناك ايضاً، وتوزع أبناؤه بين لبنان واميركا. أما أخوهم الأكبر أحمد، فهو الوحيد الذي توفي في لبنان، ودفن فيه، بينما يعيش أولاده في مصر.
الشتات لم يكن على مستوى الأعمام فقط، بل وصل الينا، نحن إبناءهم. فأنا لا اعرف جميع اولاد عمومتي، لكن و «الحمد لمايكل زيوركبرغ»، مؤسس موقع فايسبوك، بدأت بالتواصل معهم وتعرفت عليهم بالصدفة. فأن تلتقي مثلاً ابنة بنت عمك او ابنة اخيك التي لا يصلك بها غير اسم العائلة، أزمة، إذ يجب أن تعرّفها عن نفسك، وعن قرابة الدم بينك وبينها، وأن تقنعها بأن والدها هو شقيقك الاكبر.. ليس هيناً، وخصوصاً أننا من نفس الجيل. فمن الطبيعي أن يكون ردّ فعلها الأول عندما أخبرتها أنني عمّها أن تسأل «هل أنت ابن غير شرعي لوالدي»!!!؟ الفكرة مضحكة بالفعل، لم يكن ينقصني كفلسطيني الا ذلك! أخيراً وبعدما اقتنعت الفتاة أنني عمّها بدأت الأسئلة الطبيعية «ماذا تفعل في الحياة؟ لماذا لم أسمع عنك من قبل؟».
لماذا لم تسمع عني من قبل؟ من أين أبدأ؟ من تجنيس والدها؟ أم من الخروج الفلسطيني الأول؟ هذا الوضع ليس جديداً على الفلسطسينيين. ففي إحدى المرات عرضت إحدى القنوات المحلية قصة «سميرة»، التي تعيش في لبنان بينما يقطن أخوها في غزة. سميرة لم تستطع رؤية شقيقها الذي افترقت عنه بعدما عاد الى فلسطين مع عودة الراحل ياسر عرفات الى القطاع، الا خلال موسم الحج، حيث التقيا، وللصدف على جبل عرفات بعد 25 عاماً.
بالمناسبة، وبالعودة الى عائلتي، هناك فرد جديد سيضاف الى كارت الإعاشة، وهو زوجة أخي الأصغر. السيدة كندية 100%، والدها ووالدتها كنديان، لكنها ستضاف الى كارت الإعاشة لضرورات قانونية في لبنان «عنجد شو حلو، كندية معها كارت اعاشة».