«ضبّي صدرك بمية ليرة» و«تعالوا علّكوا يا خروات»




تحوّلت منطقة البرامكة في جزء منها إلى بسطة مخصصة للبيع بعد أن كانت رصيفاً مخصّصاً للمشاة. هناك على الأرصفة المحيطة بكلية الحقوق في دمشق، ينشغل الباعة بالصراخ ومجادلة الزبائن. في الجهة المقابلة للبسطة المفتوحة، وعلى بعد أمتار، تنشغل وكالة «سانا» ببث خبرها العاجل الذي ما زال مستمراً في إحباط محاولات التسلل في درعا وحلب وحماه. تغيّرت الخرائط ولم تتغير صيغة الخبر، تعِب العسكر ولم تتعب الوكالة من إعادة الصياغة. أصحاب المعامل في حلب صاروا على بسطات البرامكة، وبصمات أصابع المحرر ما زالت حاضرة، لم تُمحَ أو يختفِ خطّ من خطوط قدرها.
«صدّقي أو لا تصدّقي، بـ250 ليرة، بـ250 بس للنازحين». كمن يصرخ في الأدغال، يردد محمد بصوت عال هذه العبارة مرة تلو الأخرى محاولاً الترويج لبضاعته. تقترب منه سيّدة وتسأله ممازحة: «يعني إذا أنا مو نازحة ما بتبيعني»؟ يجيبها بابتسامة: «الله يسامحك، ليش ضل حدا مو نازح»؟
حمل محمد بضاعته من معامل حلب (عندما كانت هناك معامل) إلى أرصفة البرامكة في دمشق. البضاعة عبارة عن مجموعة من الشالات فردها على بسطته الصغيرة، بدأ بعدها بحركاته الاستعراضية وأغنيته الترويجية التي يخبر الزبونة من خلالها ويرجوها التصديق أن البضاعة «شغل حلب»، وأن باستطاعتها استبدال الشال في حال لم يعجبها اللون. على الكرسي المجاور لبسطته، وضع محمد أغنية لمطرب شعبي مجهول الاسم. المطرب بدوره كان يصرخ محاولاً الخروج من الكاسيت وهو يردد أغنية سريعة حادة وقاسية تصلح لأن تكون بداية معركة لا أغنية، استطعنا أن نفهم منها كلمة «سنعود...».

اختار صبي الحميدية أسلوباً أكثر جرأة في التسويق

على بعد أمتار، يعلو صوت بيّاع الدراويش وهو يقف على باب محله الذي لا تتجاوز مساحته بضعة أمتار، منادياً ومحذّراً: «يا بلاش ويا بليش، أنا بياع الدراويش، يلي إلها حظ بتاخد، يلي ما إلها حظ راحت عليها». لا يخلو كلام بياع الدراويش من توجيه السهام إلى منافسيه من باعة السوق المجاورين أو المنافسين في الخارج ليضيف بصوت مرتفع: «تصفية شاملة ولفترة محدودة، زورونا يوماً تقصدونا دوماً، ولا عازتك يا خيّاطة». اشتغل بياع الدراويش كما يقول على أغنيته هذه محاولاً إيجاد الكلمات المناسبة من أجل الترويج لبضاعته، حتى لو كانت هذه البضاعة مجرد ألبسة بالة مستعملة وبعض الأحذية الرياضية. لا يخلو محل بيّاع الدراويش من الزبائن الداخلين والخارجين، حركة الإقبال الكبيرة على المحل الصغير تقول إن بيّاع الدراويش نجح في التسويق لبضاعته، وإن أغنيته الترويجية المختارة بعناية حققت غايتها في الجذب والاستقطاب والبيع، لكن بيّاع الدراويش يخبرني هامساً: «ليس الإقبال لأن البضاعة جيدة بما يكفي، بل لأن حال الناس لم تعد جيدة بما يكفي، وغالبية الناس باتوا من الفقراء الدراويش».
على عكس خبرها العاجل، يسير كل شيء في محاذاة الوكالة الإخبارية ومحيطها بهدوء المطمئن إلى قدره؛ زحمة السير، ازدحام الناس، أصوات الباعة الممتدة على طول الشارع المار من الحلبونة باتجاه قصر العدل المشغول بمعركة الطلاق والزواج، وصولاً إلى سوق الحميدية المشغول بالفرجة. هناك على باب السوق، اختار صبي الحميدية أسلوباً أكثر جرأة في التسويق لبسطة الأنوثة الصغيرة. وقف على مدخل السوق منادياً بأعلى صوته: «ضبّي صدرك بـ مية ليرة»، في إشارة منه إلى سعر حمالة الصدر التي رفعها بيده ملوّحاً. الأسلوب الجريء والحملة الترويجية الخادشة للحياء لم تمنع الفتيات من الاقتراب والتبضّع من بسطة «الصبي الأزعر»، الذي بدا كرجل ناضج يقيس أنوثة الفتيات المحتشمات من خلال كبر قياس حمالة الصدر أو صغره.
للأقدام في سوق البزورية إيقاع آخر. هناك، تعدل الأقدام خطوتها لتسير على هدوء الروائح المنبعثة من السوق. لا شيء يكسر صمت الروائح إلا صوت المجنون الذي يقترب ممسكاً بإحدى يديه منفضةً للريش وباليد الأخرى علبة العلكة. ينادي بيّاع العلكة: «تعالوا علّكوا يا خروات». لم يكن لدى بياع العلكة المشهور بين الناس «بالمجنون» الكثير من الكلام ليرويه، كان لديه الكثير من الحرّية ليتكلم بصوت عال وسط السوق دون أن يشعر بالخوف، فهو لا يكتفي ببيع العلكة للزبون. فما إن تشتري منه إحدى الزبونات حتى يشتمها قائلاً: «عم تعلكي يا...، عم تعلّكوا يا خروات؟»، ليتابع بعدها مشيته مجرجراً قدميه، ومستمرّاً في ترديد شعاره الترويجي من دون أن ينظر إلى الأرض أو يتوقف عن هزّ منفضة الريش، ومن دون أن يتوقف المارّة في المقابل عن الضحك الممزوج بالإعجاب، فهذا المجنون لا حدود لجنونه ولا حدّ لعقله.
وتستمر الشتائم ويستمر الناس في الشراء. لا أحد يلتفت إلى أحد. الجميع يسعى إلى قدره القريب أو البعيد، إلى لحظة ترتفع فيها هموم شرطي المرور عن الانشغال بتجفيف عرقه وتفريغ جزمته المتعجرفة من دفاتر الضبوط المملوءة بالمخالفات، والالتفات إلى صفارته التي ارتفعت حرارتها من التصفير من دون جدوى، إلى لحظة يكفّ فيها الليل عن أن يكون معادياً.