القاهرة | التخبط الذي تعيش في ظله مصر منذ أسابيع لم يأت من عدم، فالجميع حاول السيطرة على الثورة. المجلس العسكري عمل على كبح جماحها، والإخوان استخدموها لتحقيق مصالحهم، وبقايا نظام المخلوع حسني مبارك «الفلول» يحاولون استعادة قوتهم، بينما أغلبية الشعب تحولت من داعم للثورة إلى ناقم عليها.


الارتباك الذي تعيشه مصر الثورة، سحب البساط من تحت أقدام الجميع، وبات المشهد كله يعاني الضبابية والاضطراب. الانتخابات الرئاسية أوقفت بحكم قضائي، ثم خرج أهل القانون ليؤكدوا أن الحكم لا يعني إلغاءها، وأن الانتخابات الرئاسية ستجرى في موعدها. من قبلها كان استبعاد أحمد شفيق، آخر رئيس وزراء في نظام مبارك، من سباق الانتخابات الرئاسية، ثم عاد مرة أخرى إلى السباق. استبعاده الأول كان بسبب قانون العزل السياسي الذي أقره البرلمان في ثلاثة أيام فقط، كأسرع قانون حصل على الموافقة داخل المجلس، منذ بدايته. وكان الهدف الرئيسي من اقراره وقتها، منع مدير الاستخبارات السابق، نائب مبارك، عمر سليمان. الاستبعاد الذي طال شفيق، انتهى بعد تظلمه أمام لجنة الانتخابات الرئاسية وقبول التظلم. وقررت اللجنة إحالة قانون العزل إلى المحكمة الدستورية العليا للفصل في مدى دستوريته، إلّا أن الحكم الأخير بعدم صلاحية تحويل لجنة انتخابات الرئاسة قانون العزل إلى الدستورية أعاد من جديد شفيق إلى خطر الاستبعاد، قبل أن ينقضه حكم قضائي آخر.
أزمة الحكومة والبرلمان كانت هي الأخرى دليلاً على الارتباك. فالبرلمان الذي تصنّع الأزمة مع الحكومة ورفض بيان رئيسها كمال الجنزوري، وأكد استطاعته سحب الثقة منها، عاد بخفي حنين. وانتهى الأمر كله إلى مائدة المجلس العسكري، حيث وعد رئيس المجلس محمد سعد الكتاتني الأسبوع الماضي بحل الأزمة مع الحكومة. وكان الحل بتعديل محدود في الحكومة واستبدال أربعة وزراء بآخرين جدد واستمرار الحكومة في عملها.
حتى كتابة الدستور الجديد للبلاد، نالت نصيبها من حالة الضياع مع رغبة تيار الإسلام السياسي، صاحب الغالبية في البرلمان، السيطرة على الجمعية التأسيسية لصياغة الدستور. وبعد ثلاثة اجتماعات للجمعية جاء حكم القضاء ليبطل تشكيلها الذي حاز على أغلبية من داخل البرلمان، بما يضفي أغلبية إسلامية على الجمعية. الحكم بإلغاء تشكيلة الجمعية، أشار في حيثياته إلى ضرورة أن تشكل الجمعية بالكامل من خارج البرلمان، لتمثل كافة أطياف المجتمع، لا أن يحتكرها تيار سياسي واحد.
ويبقى السؤال لماذا وصلت الأمور في مصر إلى هذا الحالة؟ الأمين العام لحزب التحالف الشعبي الاشتراكي، عبد الغفار شكر، حاول تلخيص الأسباب. أشار في حديث مع «الأخبار» إلى أن المجلس العسكري يتحمل النصيب الأكبر، لأن طريقته في ادارة البلاد خلال الفترة الانتقالية هي السبب الرئيسي لحالة الارتباك السائدة وموجة عدم الرضى التي أصابت شباب الثورة عما يحدث. أما السبب الثاني فيرجع وفقاً لشكر، لأسلوب جماعة الإخوان المسلمين التي وضعت أولويات لها واعتبرت أن مصلحتها هي مصلحة مصر، رغم أن تلك الأولويات لم تكن ضمن أولويات الشارع المصري وباقي قواه التي تطالب بالعدالة الاجتماعية وتبغي الاستقرار من خلال وضع الدستور. ويرى شكر أنه لا بد من إنهاء الفترة الانتقالية للمجلس العسكري فوراً بإجراء الانتخابات الرئاسية في موعدها، حتى وإن لم يكن هناك دستور في البلاد، لافتاً إلى إمكانية استعانة الرئيس المقبل بالإعلان الدستوري حتى كتابة الدستور الجديد للبلاد.
من جهته، اعتبر الباحث في مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، عماد جاد، أن «الارتباك السياسي الحادث دليل على حالة التخبط، والتخبط ناتج من عدم وجود دستور نسترشد به»، مضيفاً «لو كنا بدأنا بتشكيل جمعية لكتابة الدستور، لما كان كل هذا اللغط الذي نعيش فيه». ويؤكد جاد أن «السير في الطريق الخطأ منذ البداية جعل الحالة الموجودة هي النتيجة المنطقية».
الإعلان الدستوري، الذي وضعه المستشار طارق البشري وتم الاستفتاء عليه، اعتبره في حينه التيار الإسلامي «انتصاراً للإسلام»، كما اعتبره المجلس العسكري «تأييداً له». أما الآن فينتقده من دعا إليه من قبل وأكد على أنه «استفتاء على الاستقرار». فعلى مدار الأسبوع الماضي، شن أعضاء مجلس الشعب، وتحديداً التابعين لجماعة الإخوان المسلمين، وحزب النور السلفي، هجوماً على الإعلان الدستوري، ولا سيما المادة 28 منه التي تعطي حصانة للجنة الانتخابات الرئاسية، وتمنع الطعن في قراراتها. ووصل الأمر إلى أن مجموعة من التيار الإسلامي المؤيد للمرشح المستبعد حازم صلاح أبو إسماعيل أعلنت من على المنصة الرئيسية للمعتصمين في ميدان التحرير «اعتذارها لجموع الشعب المصري عن الموافقة على الاستفتاء الشعبي في 19 آذار الماضي».
بدوره، يرى رئيس حزب المصري الديموقراطي الاجتماعي، محمد أبو الغار، أن دعاية الإسلاميين لاستفتاء 19 آذار هي التي أدت إلى انقسام الشارع المصري، وأن الإسلاميين كانوا يدعون بالتصويت بـ«نعم»، معللين أن ذلك سيؤدي بالمصريين إلى الاستقرار وسرعة رحيل المجلس العسكري ودوران عجلة الإنتاج. وهذا ما لم يتحقق حتى الآن، وبالتالي هو ما أدى إلى تلك الحالة السيئة. إلّا أن النائب سعد عبود يرى أن الأمر «قد قضي بالفعل». ورغم أن إجراء الانتخابات قبل وضع الدستور هو سبب الارتباك «إلّا أن المهم الآن هو كيف نخرج من الأزمة وتصحيح الوضع وإنهاء حالة الالتباس». عبود يعتبر أن الالتزام بأحكام القضاء، ولا سيما أنها أحكام نهائية، سيؤدي «إلى الخروج من الأزمات السياسية الموجودة».