بلغ التوتر بين ضفتي الخليج أوجه في هذه الأيام. وإن كانت هذه الحروب الكلامية بين السعودية والبحرين من جهة، وإيران من جهة ثانية، جزءاً من الصراع الإقليمي، ليس فقط في البحرين، وإنما أساساً في سوريا، فإن الشعب البحريني هو من يدفع ثمنها. الفتيل الذي أشعل الحرب الكلامية بدأ مع إعلان نية سعودية بضم البحرين، تحت عنوان الاتحاد الخليجي، والتصريحات الإيرانية اللاحقة.


التصريحات الإيرانية المقصودة هنا تلك التي وصلت إلى حدّ التهديد بضم البحرين، وهو ما عبّرت عنه صحيفة «كيهان» المحافظة، التي تتحدث باسم المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية، عندما قالت أمس إن «الجمهورية الإسلامية، الضامنة لسلامة الأراضي الإيرانية ووحدتها، لها الحق في العمل على استعادة إقليم فصل عن الأمة الإسلامية». وادعت أن «أبناء البحرين يعدّون أنفسهم إيرانيين، وتفيد تقارير بأنهم يرغبون في العودة إلى إيران»، هذا وفق ما نقلت وكالة الأنباء الفرنسية. يُضاف إليه تصريح رئيس البرلمان الإيراني علي لاريجاني الذي قال: «إذا كان من المفترض أن تتحد البحرين مع دولة أخرى، يجب أن تكون هذه الدولة إيران لا السعودية».
وفي موازاة هذا الكلام، حرّض مجلس تنسيق الدعاية الإسلامية في إيران الشعب البحريني على التظاهر للاحتجاج على «المخطط الأميركي لضم البحرين إلى السعودية». موقف يأتي بعد تهديد أطلقه نواب إيرانيون للسعودية عبر تحذيرها من انتقال الاحتجاجات البحرينية إلى ربوعها في حال إقامة الاتحاد. وكان المتحدث باسم الخارجية، رامين مهمان باراست، أكثر دبلوماسية حين قال إن «الحل لأزمة البحرين هو الوفاء بمطالب الشعب المشروعة».
المواقف الإيرانية استدعت ردوداً سعودية وخليجية وبحرينية تباعاً. وزير الخارجية السعودي سعود الفيصل قال في ختام القمة الخليجية: «ليس لإيران، لا من قريب أو بعيد، أي دخل في ما يدور بين البلدين، حتى لو وصلت إلى الوحدة». أما البحرين فاستدعت القائم بالأعمال الإيراني للاحتجاج على «التدخل السافر في شؤونها»، قبل أن يتصاعد موقفها عبر الإصرار على إقامة الاتحاد، وهو ما عبّر عنه مستشار الملك البحريني نبيل الحمر في تغريدة له: «بشارتي لكم يا أهل الخليج، إعلان اتحاد دول الخليج العربي قريب وقريب جداً في قمة استثنائية في الرياض قبل قمة البحرين»، رغم أن القمة التشاورية التي عُقدت يوم الاثنين الماضي في الرياض رحّلت إعلان الاتحاد إلى القمة العادية في المنامة.
غيوم متلبدة في سماء الخليج، ومعارك كلامية بين ضفتيه تدور حول أرض وشعب، هما أول وآخر من سيدفع ثمن هذا التوتر، الذي بدأت ارتداداته تضرب الأرخبيل من خلال إصدار السلطات لائحة بأسماء 20 مطلوباً قالت إنهم ضالعون بهجمات إرهابية على قوات الأمن، إضافة إلى تشديد الإجراءات الأمنية وتضييق الخناق على المعارضة من خلال عمليات القمع وحملات الاعتقالات.
هكذا تتعارك السعودية وإيران على البحرين، ويحرّك كلّ طرف خيوطه في الجزيرة، وإذا بهم يشدّدون الخناق على شعبها الأعزل، فكيف ينظر البحرينيون أنفسهم إلى هذا الصراع؟ «الأخبار» استطلعت آراء شخصيات عامة تمثل توجهات وتيارات مختلفة، ليعبّروا عن موقفهم من فكرة الاتحاد الخليجي والتصريحات الإيرانية.
منيرة فخرو، ناشطة سياسية ليبرالية من جمعية «وعد» اليسارية، امرأة تقدّمية معروفة بنشاطها المعارض، تقول لـ«الأخبار» إن ما بين البحرين والسعودية علاقة استراتيجية كاملة «نحن يحتاج بعضنا إلى بعض. أكثر من نصف موازنتنا يأتي من حقل النفط المشترك (أبو سعفة)، بحيث نحصل على 150 ألف برميل نفط يومياً من هذا الدخل المشترك. تجمعنا علاقة مصيرية وحيوية. نحن لا نرفض الوحدة مع أي دولة عربية، فكيف خليجية؟ ولكن...».
«لكن» أثارتها فخرو لتعرب عن خشية حقيقية من الانضمام إلى بلاد تختلف جذرياً عن بلادها من حيث السلوك الاجتماعي والديموقراطية وحقوق الإنسان. تتفهم مخاوف الشيعة من فكرة الاتحاد، ولا سيما في ظل المواقف السعودية من المطالب المشروعة للاحتجاجات. ومآخذها على الاتحاد لا تتعلق فقط بمخاوف الشيعة، وإنما بما يمكن أن تلحقه من ضرر بحقوق المرأة البحرينية. وتؤكّد أن أي استفتاء يجب ألا ينحصر في «نعم أو لا، يجب أن يكون هناك استفتاء على التفاصيل». وتتساءل: «ما سيكون عليه مصير المرأة في الاتحاد، وهل سيكون هناك أيضاً جمعيات للنهي عن المنكر والأمر بالمعروف؟». وأوضحت أنهم في جمعية «وعد» سيعقدون ورشة عمل لإجراء بحث تفصيلي في هذا الاقتراح.
هذا بالنسبة إلى الاتحاد. ماذا عن التصريحات الإيرانية؟ تؤكّد فخرو رفض البحرينيين لكلام لاريجاني؛ إذ «لا يحق له التدخل في شؤوننا» تقول، وتضيف: «إذا رجعنا إلى التاريخ، العرب أيضاً احتلوا إيران. نحن ننتمي إلى الخليج ونريد علاقات قوية معهم. أي إشكال لهم مع الإمارات فليذهبوا لحله في لاهاي». قبل أن تضيف أن التوتر الخليجي الإيراني يترجم على أرض البحرين.
فريد غازي جاسم رفيع، نائب سابق وحقوقي، يراه المعارضون شخصية موالية لكن غير متطرفة، أما هو فيصف نفسه بالليبرالي. يرفض أي تيار يتخذ من الدين غطاءً لتحركه، ويقول إنه «سنّي ومتزوج شيعية»، كي يؤكّد أنه ينتمي إلى مجتمع متزاوج ويرفض المذهبية، ما يشير إلى حالة الخوف المتزايد من التخندق المذهبي في البحرين الذي يعمقه التوتر الإيراني السعودي.
وعن مشروع الاتحاد، يقول إنه «مؤمن بالقومية العربية، وبالتالي هذا الاتحاد خطوة لتوحيد الدول العربية». ويؤكد أن الاتحاد قائم في إطار مجلس التعاون الخليجي، لكن هذه الخطوة شكلية ستدفعه نحو الكونفدرالية. ويضيف: «إننا ما زلنا في مرحلة التشاور، وبعدها ستأتي خطوة الاستفتاء». وعن رفض المعارضة لفكرة الاتحاد، يقول إن «المعارضة التي ترفض الفكرة هي تلك التي تتبع ولاية الفقيه». ويشير إلى أن طرح الاتحاد جاء بصورة أولية ردّاً على التهديدات الخارجية وتحديداً الإيرانية.
وفي ردّ على سؤال عن كيفية قبول المعارضة لاتحاد كهذا بعد القمع الذي تعرضت له الاحتجاجات وموقف السعودية منها، يقول إن «قوات درع الجزيرة لم تتدخل في الشأن البحريني. والسعودية جزء من القوات وليست كلها»، قبل أن يضيف: «من يتخوف من موقف السعودية تجاه البحرين هو الحلم الإيراني لا المعارضة».
وكيف يكيل الاتهامات للمعارضة بالانتماء إلى إيران، رغم رفضها وعدم وجود أي دليل على ذلك، يقول غازي إن «الأفعال غير الأقوال، ما يجري على الأرض يؤكد هذا الأمر. هناك جزء من المعارضة ينسّق مع إيران، مع مصادر في العراق وبيروت وطهران». ويضيف: «لدينا مطالب مشروعة وشهداء ومسجونون وفقر وبطالة، لكن لا يمكن أن نقبل بأي تيار ديني متشدد يمتطي هذه المطالب لتحقيق غايته». ويؤكّد أن ما حصل في البحرين غذّى التشدد المذهبي والتعصب، وشرذم التيار الفكري الليبرالي.
المآخذ والاتهامات التي رماها غازي على المعارضة لا تعبّر عن حالة النائب السابق في جمعية «الوفاق» المعارضة، علي الأسود، الذي استشاط غضباً حين سمع ما نُسب إلى صحيفة كيهان بأن «أبناء البحرين يعتبرون أنفسهم إيرانيين وتفيد تقارير بأنهم يرغبون في العودة إلى إيران». ويقول: «هذا كلام فارغ، كلام غير مسؤول وناشز». ويضيف: «بالنسبة إلينا الحديث عن ضم البحرين إلى إيران يوازي الحديث عن ضمها إلى السعودية». ويؤكّد أن «عروبة البحرين هو الأصل والأساس. ونحن دولة مستقلة لها سيادتها. وكمعارضة لا نختلف عن أي شكل من الاتحاد، شرط أن يكون هناك استفتاء، ولكننا نختلف تحديداً على الوحدة مع السعودية».
ويشير الأسود إلى أن التوتر الحاصل اليوم هو جزء من الصراع الإقليمي في المنطقة، «ونحن ندفع الثمن. وهذا يصرف النظر عن المطالب الشعبية المحقة».
ويعود إلى كلام «كيهان»، ويقول: «أنا البحريني لا أقبل أن تتحدث صحيفة إيرانية عن عروبة البحرين. إيران دولة صديقة ونريدها كذلك. إذا قبلنا بهذا الكلام، إذاً سنقبل الكلام السعودي. والدي وجدي وأبنائي يرفضون ذلك. لا يوجد حديث أبداً في البحرين بهذا الشكل». ويتابع: «في إيران هناك أصوات غير مسؤولة، ولكن هناك أيضاًَ أصوات مسؤولة، المنطقة تمر في مرحلة خطيرة ولا تحتمل الأصوات الناشزة».
ثم ينتقل إلى الاتحاد ليؤكّد أنه «مشروع فاشل؛ لأنه ليس للسعودية أي فائدة منه. لقد أثارته ترضية للتيار السلفي في البحرين. وفكرته الأساسية هي إقصاء ولي العهد الأمير سلمان عن الحكم».




نبيل رجب: اتهامي كيدي


قال الناشط الحقوقي البحريني، نبيل رجب (الصورة)، خلال مثوله أمام المحكمة، أمس، إن التهم التي وجهت إليه، ولا سيما إهانة قوات الأمن، تهم كيدية.
وأكد شهود أن 54 محامياً حضروا المحكمة للدفاع عن رجب الذي يرأس مركز البحرين لحقوق الإنسان. وأرجأت المحكمة القضية إلى 20 أيار الجاري للمرافعة، مع استمرار حبسه. وخلال جلسة المحكمة، قال رجب: «أنا لم أمارس سوى حقي في حرية التعبير، ولم أرتكب جرماً. والاتهام المسند إلي هو اتهام كيدي بسبب ممارستي لنشاطي الحقوقي». وكانت النيابة العامة البحرينية قد ذكرت أنها حققت مع نبيل رجب «لقيامه بنشر عبارات عبر مواقع التواصل الاجتماعي تضمنت تعريضاً بقوات الأمن العام وإهانتها». ويواجه رجب قضيتين أخريين، إحداهما تتمثل في اتهامه بالاشتراك في «ممارسات غير مشروعة»، وذلك عبر «الحضّ على التجمهرات».