في أثناء الثورة المصرية، وبينما كان ملايين المواطنين يتقاطرون إلى الميادين في كافة المحافظات للهتاف بسقوط النظام، كان هناك آخرون يجلسون أمام شاشات التلفاز يراقبون ما يحدث بحذر. لا يشاركون المتظاهرين هتافهم ولا يعادونهم أيضاً، كانوا على حياد سلبي امتد إلى ما بعد موقعة الجمل، مع تزحزح بعضهم باتجاه الرغبة في إنهاء ما يحدث في الميادين، ولا سيما بعد الخطاب ذي الصبغة العاطفية الذي ألقاه الرئيس المخلوع حسني مبارك عشية موقعة الجمل.


إنهم «حزب الكنبة» أو «الأغلبية الصامتة»، هكذا أطلق عليهم الكتاب والباحثون في محاولة لتمييزهم عن هؤلاء المشاركين في الميادين ممن لا يكتفون بالجلوس والنظر عبر التلفاز. وهم من قال عنهم رئيس الاستخبارات السابق عمر سليمان، في حديثه لصحيفة «الأسبوع» المصرية، «حزب الكنبة لن يسمح باختطاف البلد».
أثبتت جميع استطلاعات الرأي، رغم تباين كثير منها، أن الكتلة المتماسكة الأكبر بين الناخبين لم تحدد موقفاً بعد من المرشحين. وأبدى المنتمون لهذه الكتلة حيرتهم في الاختيار، معلنين متابعتهم للبرامج التلفزيونية من فوق أريكتهم في المنزل ليحددوا لمن ينحازون. ورفضوا المشاركة في أي دعم سواء في مسيرة أو وقفة لأي مرشح. وقد تراوحت هذه النسبة في استطلاعات الرأي العام بين ثلث أو أزيد من الثلث بقليل من جملة المصريين بواقع من 30 إلى 40 في المئة من جملة العينات، لتكون هذه الكتلة «القوة التصويتية الخفية في مصر».
لكن هل ثمة شيء يجمع أعضاء هذا الحزب أو يميز غالبيتهم، وماذا عن تفضيلاتهم في انتخابات الرئاسة، وهل سيكونون قوة مؤثرة؟ يذهب الخبير الإعلامي، ياسر عبد العزيز، إلى أن من ينتمي لهذا الحزب «عادة لا ينتمي إلى أيديولوجيا محددة، ولا ينخرط في أي جماعات سياسية، وتنتمي الشرائح الأكبر منه إلى ذوي الأعمار الكبيرة في السن».
كما أن هذا الحزب «يبني أفراده توجهاتهم على الاستقرار والحياد السلبي والاستقرار، وهذا يصب في صالح عناصر النظام السابق، وذلك لإعادة الأوضاع السابقة مع استبعاد قضايا مثل الديكتاتورية والتوريث». وأوضح عبد العزيز أنه «وإن كان معروفاً عن هذا الحزب السلبية في المشاركة بالتظاهرات أو الوقفات الاحتجاجية، إلّا أنه سيجد نفسه مضطراً للإدلاء بصوته في الانتخابات الرئاسية، تحت إلحاح وسائل الدعاية والإعلان المباشرة التي يرى أنها من ستؤثر في قناعات هذه الكتلة السائبة وستكون بمثابة غنيمة لها، ذلك أنها لم تحدد موقفها بعد وتقضي معظم وقتها أمام التلفاز».
ويشير عبد العزيز لـ«الأخبار» إلى أن فئة كبيرة من هذا الحزب ستتجه إلى «اختيار الجانب الاصلاحي في النظام القديم أو أحد أفراد النظام القديم»، مرجعاً ذلك إلى أن أطيافاً كثيرة منهم كارهة للثورة وتعتقد أنها أثرت سلباً على مصالحهم والمصالح العامة. أما «البعض الآخر ممن له ميل إسلامي منهم فسيبحث عن مرشح إسلامي يعده بتطبيق الشريعة، والجزء الأقل منه له ميول ثورية وسيبحث عن مرشح يحقق هذه الميول».
الباحث في الشؤون الاستراتيجية في جامعة ريدينج في بريطانيا، محمد بريك، يرى أن من الصعب الجزم باتجاهات خيارات حزب الكنبة، مرجعاً ذلك إلى عدة أسباب، منها حداثة التجربة التصويتية والانتخابية عموماً، وعدم وجود نماذج سابقة يمكن القياس عليها، فضلاً عن أن انتخابات الرئاسة هذه المرة تعلي من جانب الميل الشخصي لأحد المرشحين فوق أي خيارات منهجية.
إلا أن بريك يرجح أن ما يشير إليه الاجتماعيون عن «عسكرة» المجتمع المصري، وتحديداً بين الشرائح المجتمعية غير المدنية، قد يزيد من احتمال دعم هذه الشرائح لمرشح ذي خلفية عسكرية. كذلك تحدث عن وجود «كتل تصويتية جاهزة بشكل كبير لكل من الإخوان والسلفيين». لكن بريك ممن يستبعدون «وجود فرصة كبيرة لأي من الفريق أحمد شفيق وعمرو موسى إذا لم يحدث تدخل فوقي في الانتخابات ونتيجتها، بسبب سيطرة حالة من السخط الشعبي على ممثلي النظام القديم ووجود بدائل قوية».
من جهته، يرى رئيس مركز حوار الثقافات والدراسات الحضارية في جامعة القاهرة، محمد صفار، أن حزب الكنبة «كتلة ضخمة وسلبية وتنقسم إلى فئتين». أصحاب الفئة الأولى «وعيهم محدود جداً ومستغرق في حياته الأسرية وعالمه الخاص ولا يريد معرفة شيء عما يحدث، وما يحدث لا يؤثر عليه». أما الفئة الثانية فتمثل من هم «بلا إرادة وهم على دراية بما يحدث، لكنهم يشعرون باليأس والاحباط ويرفعون شعار «مفيش فايدة»، ولسان حالهم يقول «لا حاجة لنا أن نتدخل في ما يحدث»». ووفقاً لصفار فإن الفئتين «مع الاستقرار والرغبة في مستوى معين من المعيشة الاقتصادية وعدم التنازل عنها».
أما عن كيفية تعبئة هذه القوة الخفية، فيؤكد صفار لـ«الأخبار» أنه «لا الشعارات ولا البرامج هي من ستعبئهم، فهم لا يكترثون أصلاً، لكن تعبئتهم تكون عبر إشعارهم بأن هناك شيئاً يحدث لصالحهم». ويضيف «فهم ليست لديهم ثقة في العملية السياسية على الإطلاق، ولديهم شعور بأنه في النهاية الانتخابات ستزور، وبالتالي المشاركة فيها عبث».
ويلقي صفار باللوم على المرشحين إذ «لم يقدم أي مرشح صورة تعكس كيف سيكون نمط حياة المواطن المصري على أرض الواقع. فالمواطن البسيط لا يفهم التفاصيل التقنية في كيفية تغيير حياته، وينظر للمصالح الضيقة جداً». ويلفت إلى أن أعضاء «حزب الكنبة» يرون أن «الثوار لا يثورون من أجل القضايا التي تهمهم، وينظرون لمصلحة الشريحة الاجتماعية التي ينتمون إليها وليس بالضرورة أن هؤلاء هم الفقراء».
ويلوم صفار «النظام العسكري منذ عام 1952، الذي استطاع أن يهبط به الانسان المصري إلى ما دون المستوى الآدمي في الفكر والمعيشة. وبالتالي فالمبادئ والمثل وفكرة المساواة تعتبر رفاهية لأشخاص يأكل أولادها من القمامة ويعيشون في عشش». ويرجع هذا الوضع «إلى أن المشكلة تكمن في اختلاف مفهومين بين الحرية المدنية التي يطالب بها الثوار والمجتمع النخبوي، وبين عموم الشعب».
من جهته، يرى الباحث في علم الاجتماع السياسي، الدكتور عمار علي حسن، أن استدعاء السلطة بطريقة ناعمة «حزب الكنبة» كي ينزل إلى الشارع رافضاً الثورة والثوار، مسألة لها دلالتها مع اقتراب موعد تسليم الحكم. وأضاف «لا أعتقد أن استعداء حزب الكنبة على «الكتلة الحرجة» التي ترفض التسليم بالأمر الواقع ولا تريد أن تنفضّ عن الثورة عمل مفيد، لأن ما تسمى «الغالبية الصامتة » أثبتت أنها مع الثورة، حتى لو اختلفت مع بعض الثائرين الفائرين في تحديد وسيلة استكمالها»، مؤيداً ذلك بالقول «في انتخابات مجلسي الشعب والشورى عزل الناس فلول الحزب الوطني عبر صناديق الاقتراع».