أعلنت تل ابيب أنها «تستبعد» إيجاد حل قريب للحرب في سوريا، كما جاء على لسان وزير امنها، موشيه يعلون. في موازاة ذلك، تكشف التقارير العبرية عن سعي حثيث لدى الروس والاميركيين، بإتجاه مراعاة المصالح الإسرائيلية في أي حل مقبل يجري العمل عليه. وإذا كانت المسألة تعبّر عن الشيء ونقيضه، إلّا انها تشير الى وجود عدم يقين في التقديرات الإسرائيلية للساحة السورية، مع التأكيد على حقيقة واحدة: المصلحة الاسرائيلية الوحيدة هي منع تعاظم مكانة حزب الله وايران في سوريا، ومنع وجودهما بالقرب من حدودها في اي تسوية مستقبلية لسوريا.
التقارير العبرية كشفت عن خشية إسرائيلية من الآتي، اذ ان تعديل ميزان القوى في الساحة السورية، والنجاحات التي يحققها الجيش السوري وحلفاؤه ميدانياً، تزيد مخاوف تل ابيب من إمكان ترجمة هذه الانجازات على طاولة التفاوض، التي قد تصل الى «تسوية ما» تزيد من قدرة وثبات موقف أعداء تل أبيب في سوريا. وتحاول إسرائيل التأثير على المجرى السياسي، عبر اتصالها المسبق بواشنطن وموسكو.
صحيفة «يديعوت احرونوت» كشفت امس، نقلاً عن مصادر سياسية وامنية إسرائيلية، لقاءات جمعت في الفترة الاخيرة، مسؤولين اسرائيليين ونظراء لهم في موسكو وواشنطن، تمحورت حول «مطالب تل ابيب التحذيرية»، من أنها «لن نقبل أي تسوية في سوريا، تسمح بوجود ايران أو حزب الله في الجولان». مسؤولون اسرائيليون اشاروا للصحيفة إلى انهم «في اسرائيل بدأوا بالفعل التفكير في اليوم الذي يلي»، وتكشف محافل امنية اسرائيلية، بما يشبه الاقرار، بان هناك مؤشرات ايجابية لإمكان التوصل لتسوية ما تنهي الحرب في سوريا، و«اذا لم تعرض اسرائيل موضوع الجولان كشرط اساسي، فمشكوك فيه ان تحظى هذه الجبهة الهامشية، في نظر الروس والاميركيين، بموقف ملزم في اطار التسوية».

عدم يقين في التقديرات الإسرائيلية للساحة السورية

اما الرد الروسي والاميركي على المطالب الاسرائيلية، فيبدو حتى اللحظة غير واضح. محافل اسرائيلية رفيعة ترى انه «حتى لو استحصلت اسرائيل على تعهد ما من الجانبين، روسيا والولايات المتحدة، فهو يشبه التوقيع على صفيحة جليد». ولفتت هذه المحافل إلى أنّ «التنسيق القائم بين الروس والاميركيين حول سوريا هو اكثر بكثير مما يبدو للظاهر، وهم عملياً باعوا الحلفاء القدامى واشتروا حلفاء جدد»، اما مصاديق التحولات، فتشير المصادر الاسرائيلية الى الرئيس التركي، رجب طيب اردوغان، كمثال، وهو الذي لم يعد بإمكانه الاتكال على واشنطن في المسألة الكردية، لان الروس والاميركيين قرروا منذ الان، أنّ الكرد اقلية تستحق حكماً ذاتيا.
إلا ان اللافت امس، في موازاة الاتصالات الاسرائيلية القائمة مع الروس والاميركيين حيال التسوية في سوريا، ما صدر امس عن وزير الامن، موشيه يعلون، خلال لقائه نظيره البولندي، انتوني مايسرفيتش في تل ابيب، وتشكيكه بإمكان «ايجاد حل قريب للحرب في سوريا». وقال ان حساباته مبنية على «وجود عدد هائل من اللاعبين في المشهد السوري، ومن ضمنهم تنظيمات جهادية تصر على مواصلة القتال»، مشيراً إلى أنّ «إسرائيل تقدم المساعدات الانسانية بما فيها الغذاء والدواء للاجئين السوريين الذين يصلون إلى حدودها».
من جهتها، وفي السياق نفسه، قال مصدر أمني إسرائيلي رفيع لصحيفة «هآرتس» إن «هناك توقعات حذرة لدى إسرائيل، حول وجود فرصة لالحاق الهزيمة بتنظيم داعش، وعلى الاقل في الساحة السورية، اذ ان الهزيمة التي مني بها التنظيم على ايدي الجيش السوري، في مدينة تدمر تحديداً، لم تكن صدفة وهي ترجمة للصعوبات التي لحقت بداعش وفي القدرة لديه على مواصلة السيطرة على المناطق الواسعة للخلافة الإسلامية، وعلى نحو خاص في الساحة السورية».
المصدر الامني الاسرائيلي اشار إلى أنّ «هزيمة داعش باتت تعد مسألة وقت لا أكثر... والانطباع الاسرائيلي السائد هو ان التنظيم غير قادر على مواجهة هذا العدد الكبير من الجبهات، مع التوقع بإمكان اضطراره للانسحاب بفعل الضغوط الميدانية من مناطق اخرى في شرق سوريا». اما مقابل هذا التراجع «فلا يشك احد في اجهزة الاستخبارات الاسرائيلية، اضافة الى الغربية، بأن «داعش ينوي تفعيل المزيد من الخلايا الارهابية في اوروبا، بل ربما خارجها، كاستمرار للعمليات التي بادر اليها في الأشهر الأخيرة».
وتكشف الصحيفة ان المؤسسة الامنية في إسرائيل تتعامل بشك مع اعلان الرئيس الروسي، فيلاديمير بوتين، سحب قواته من سوريا، اذ ان «الروس عمدوا، من ناحية عملية، الى سحب كتيبة جوية واحدة، وأبقوا حوالى عشرين طائرة هجومية قاذفة واربع طائرات اعتراضية، فيما فعّلوا اكثر للطائرات المروحية الاكثر تطورا، ولم تتوقف غاراتهم الجوية رغم انخفاض عددها نسبيا، من 200 - 300 غارة يوميا، الى حوالي 100 غارة».
وتشير الصحيفة إلى أنّ اعلان الرئيس الروسي انهاء العمليات العسكرية، هدف الى دعم العملية السياسية في جنيف، و«رغم ان فرصة نجاح هذا المسار تبدو محدودة، لكن في المقابل يتضح ان الروس رسخوا انفسهم كمن يقودون الخطوات في سوريا، سواء على المسار العسكري أو السياسي».