«انقلاب الموازين». قد تكون هي الجملة الأدق في نتائج انتخابات الرئاسة المصرية. فوفقاً للأرقام التي أعلنتها اللجنة العليا للانتخابات، حصل مرشح حزب الحرية والعدالة، محمد مرسي، على 5 ملايين و764 ألفاً و952 صوتاً. أما أحمد شفيق، رئيس وزراء مصر السابق، فحصل على 5 ملايين و505 آلاف و327 صوتاً من بين 23 مليوناً و672 ألفاً و36 ناخباً أدلوا بأصواتهم. في المقابل، حل حمدين صباحي ثالثاً بما يقارب 5 ملايين صوت، فيما نال عبد المنعم أبو الفتوح ما يزيد على 4 ملايين صوت، ليأتي في المرتبة الرابعة، يليه عمرو موسى بقرابة مليونين ونصف مليون صوت.


وربما أتت غرابة انقلاب الموازين من أن الفريق أحمد شفيق قد حل ثانياً في الانتخابات داخلياً، بعد أن نال المرتبة الخامسة في نتائج تصويت المصريين في الخارج، فضلاً عن حصوله على غالبية الأصوات في 7 محافظات من بينها ثلاثة معاقل للإخوان المسلمين، بينها محافظة الشرقية مسقط رأس محمد مرسي منافسه الأول. كذلك حل شفيق أول في الغربية والدقهلية وعدد من محافظات الصعيد والدلتا، بينما حل مرسي أول في 11 محافظة، بعضها لا يحظى الإخوان بوجود قوي فيها. كذلك حل مرشح الجماعة متأخراً في محافظات كانت تعد معقلاً للإخوان كالإسكندرية.
من جهته، مثّل صعود حمدين صباحي إلى المركز الثالث مفاجأة، وخصوصاً بعدما نال المركز الأول في 5 محافظات، بينها القاهرة والإسكندرية ومسقط رأسه كفر الشيخ. أما أبو الفتوح، فحقق المركز الأول في محافظتين فقط، هما مطروح ودمياط، فيما اكتفى موسى بالحلول أول في محافظة جنوب سيناء فقط.
وربما كان صعود شفيق هو اللغز الأكبر الذي فتح باباً كبيراً للتكهنات بأنه مرشح «النظام القديم» و«الدولة العميقة»، ولا سيما مع الدعم الذي ظهر له من أعضاء في الحزب الوطني السابق، ما يعني أن شفيق قد تحرك في اتجاه إحياء النظام القديم بكل ما تحمله أركانه من آليات مادية ومصالح هددتها الثورة. وهو ما مكنه من الاستفادة من سُلطة العائلات والعشائر والقبائل التي يعنيها عدم ضياع امتيازاتها التي حصلت عليها في السابق، مركزاً في خطابه على عودة الأمن الذي تملك مفاتيحه الشرطة والمؤسسة العسكرية، الأمر الذي أحدث صدى لدى «حزب الكنبة» وعائلات رجال الشرطة والجيش وذويهم، فضلاً عن الأقباط. وكشف الناشط القبطي، رئيس حزب الحياة تحت التأسيس، مايكل منير، أن شفيق هو الوحيد الذي أعطاهم وعوداً محددة. كذلك لا يمكن إغفال دعم كتلة كبيرة من الصوفيين لشفيق، نتيجة ارتباط قادتهم بالنظام القديم ارتباطاً وثيقاً.
إلا أن تحالف رجال أعمال الحزب الوطني والأقباط لم يكن كافياً لإقناع الكثيرين بحجم الأصوات التي حصدها شفيق. وتحدث نشطاء وحقوقيون عن تزوير حصل لمصلحته. وتجسد ذلك في البيان الذي أصدره مركز «ضحايا لحقوق الإنسان»، واعتبر فيه أن الانتخابات قد مرت «بأكبر عملية تزوير جرى الإعداد لها منذ شهور». واستند المركز إلى بلاغ للنائب العام تقدم به القيادي في حزب العمل، نور الدين عبد الصمد جابر. وكشف جابر أنه أُضيفت 8 ملايين صوت إلى الكشوف الانتخابية ما بين إجراء الاستفتاء وإجراء الانتخابات الرئاسية، أي إن مواليد 1993 الذين يحق لهم التسجيل في عام 2011 قد بلغ 8 ملايين. وهو أمر مستحيل، حيث إن بيانات مركز التعبئة والإحصاء لعام 1993 تذكر أن عدد المواليد بلغ ثلاثة أرباع مليون، أي إن هناك أكثر من سبعة ملايين صوت أُضيفت من دون وجه حق، حيث كان عدد المسجلين وفق الأرقام الرسمية في استفتاء آذار 2011 قرابة 42 مليون مواطن يحق لهم الإدلاء بأصواتهم. أما في الانتخابات الرئاسية، فارتفع العدد إلى قرابة 50 مليون مواطن. وتضاف اتهامات جابر إلى البلاغ المقدم من ضابط الأمن المركزي عبد الرحمن نشار الذي تحدث عن تغيير بطاقات 900 ألف مجند أمن مركزي حتى يمكن إضافتهم إلى الكشوف الانتخابية. إلا أن اللجنة العليا للانتخابات نفت في مؤتمرها أن تكون هذه الأصوات قد أُضيفت، مؤكدةً أنه لا صحة لما ورد في بلاغ الضابط.
وفي هذا السياق، قد يكون مفسراً تراجع عمرو موسى للمركز الخامس، فيما كانت استطلاعات الرأي تضعه من بين الثلاثة الأوائل؛ إذ كشفت النتائج أن أرستقراطية عمرو موسى واعتماده الكبير على عدم مغازلة أعضاء الحزب الوطني المنحل، وظهوره المعتاد بمظهر المستقل عن المؤسسات الأمنية وتذبذبه بين «حزب الكنبة» وبين تنكره لتاريخه مع حسني مبارك، جعله لا ينال أصوات الثوار أو الفلول. ولم يحصد إلا أصوات المتأثرين بتاريخه ومظهره رجلاً سياسياً نخبوياً.
أما عبد المنعم أبو الفتوح، فقد تضافرت مجموعة من الأسباب أدت إلى خسارته. ومن المرجح أن يكون تاريخه كقيادي سابق في الإخوان وتأييد الجماعة الإسلامية والدعوة السلفية وعدد كبير من الأحزاب الإسلامية له قد بث التشكك في نفوس الكثيرين، سواء من شباب الأقباط أو من الحركات الثورية أو من الجماهير التي خُوِّفت من سيطرة إسلامية. ولم يتردد منافسو أبو الفتوح في اللجوء إلى هذا المدخل للتخويف منه والتشكيك في صدقية محاولته بلورة وصياغة خطاب يصهر الأيديولوجيات ويتجاوز الاستقطاب الفكري والسياسي. وهذه النقطة تحديداً جعلته يخسر أصوات الكثير من قواعد الدعوة السلفية والجماعة الإسلامية، ولا سيما شبابهما وجيل الوسط فيهما ممن رأوا أن محمد مرسي أقرب إلى المشروع الذي يرغبون فيه. أما مرشح الإخوان، فحصد ثمار القدرة التنظيمية الهائلة لجماعته وحزبه، فضلاً عن أصوات قطاع من السلفيين والإسلاميين وأبناء الريف المصري. ويمكن إرجاع تراجع كتلة مرسي في معاقل عديدة للإخوان، كالإسكندرية والشرقية، لاهتزاز صورة الجماعة وحزبها في الشارع نتيجة عدم قدرة الجماعة على القيام بأي فعل إيجابي ملموس في مجلس الشعب أو إثبات القدرة على مواجهة الحكومة وتذبذبها في ما تعلنه من قرارات.
أما حمدين صباحي، فحملت مفاجأة صعوده للمركز الثالث بفارق ضئيل عن شفيق عدة تفسيرات. وتمثلت في قدرته على رسم صورة ذهنية لنفسه لدى الناخبين بأنه يمثل مسار غير الإسلاميين والفلول، فضلاً عن دعم عدد كبير من شباب الأقباط له، ولا سيما المنتمون منهم إلى العمل السياسي والثوري. كذلك طبق أنصاره خطة طرق الأبواب في بعض مناطق الفقراء والعشوائيات لتركيز صباحي عليهم في خطابه.
وذهب عدد من المراقبين في تفسيرهم لصعود صباحي إلى الحديث عن وجود سيناريو يتمثل في دعم المرشح الناصري من قبل قوى تهدف إلى تفتيت أصوات أبو الفتوح، الذي كان متقدماً طوال سير فترة الدعاية الانتخابية، لكن هذا الدعم غير معلن ومن دون اتفاق مسبق مع المرشح الناصري. وفي السياق، يمكن تفسير ازدياد حجم دعاية صباحي في آخر بضعة أيام قبل يوم الانتخاب رغم شكوى المرشح الناصري من عدم قدرته على الدعاية. وكشفت النتائج أن تحالف أبو الفتوح وحمدين كان سينهي المعركة من الجولة الأولى لمصلحة أحدهما.