تونس | من المتوقع أن تتحول الهيئة العليا المستقلة للانتخابات، التي تتباطأ الحكومة التونسية في طرح مشروع إنشائها على المجلس التأسيسي، إلى عنوان المعركة الجديدة بين الائتلاف الحاكم وخصومه. خصوم الحكومة هذه المرة لن يكونوا فقط أحزاب «الصفر فاصل»، كما يسميهم قادة النهضة، في إشارة تهكمية إلى ضعف تمثيل خصومهم في المجلس التأسيسي وضعف عدد الأصوات التي حصلوا عليها في انتخابات تشرين الأول الماضي، إذ انضمت إلى أحزاب المعارضة ثلاث منظمات كان لها دور حاسم في إطاحة نظام زين العابدين بن علي.


وطرح الاتحاد العام التونسي للشغل، الذي يعدّ أعرق المنظمات النقابية في تونس، بالاشتراك مع عمادة المحامين التونسيين، والرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان، مشروعاً لإنشاء الهيئة العليا المستقلة للانتخابات، أعدّته مجموعة من الخبراء في مجال القانون.
وعقد الأمين العام للاتحاد العام التونسي للشغل حسين العباسي، ورئيس الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان عبد الستار بن موسى، وعميد المحامين شوقي الطبيب، مؤتمراً صحافياً السبت الماضي، أكدوا فيه أن «الظروف الصعبة التي تمر بها البلاد، والخوف من عودة الديكتاتورية والاستبداد، ومخاطر التراجع في مكسب الهيئة العليا المستقلة للانتخابات، التي نجحت تونس بفضلها في تحقيق أول انتخابات ديموقراطية في تاريخها، دفعتنا إلى تقديم مقترح إنشاء هيئة دائمة مستقلة لتنظيم الانتخابات في تونس، لتكون ضامناً للديموقراطية ولشفافية الانتخابات، بدل أن تكون وزارة الداخلية هي التي تشرف على تنظيمها».
وأوضح العباسي أن المشروع الذي جرى اقتراحه «بعيد عن المحاصصة الحزبية، وعن أي توظيف حزبي». وأضاف «مصلحة تونس ومستقبل تجربتها الديموقراطية يقتضيان الموافقة عليه من قبل المجلس التأسيسي». كذلك، أكد العباسي أن المنظمات الثلاث التي طرحت المشروع ليست ضد المجلس التأسيسي ولا تعتبر نفسها بديلاً منه. ولفت إلى أن الواجب الوطني اقتضى منها تقديم هذا المشروع الهادف إلى تأسيس هيئة دائمة ومستقلة لإدارة الانتخابات وتنظيمها.
أما رئيس رابطة الدفاع عن حقوق الإنسان، فقال إن «المجتمع المدني سيكون حصناً ضد أي محاولة للتراجع عن المكاسب التي حققتها تونس في مجال تنظيم انتخابات حرة ونزيهة».
من جهته، قال عميد المحامين، شوقي الطبيب، إن المقترح «يسعى إلى توسيع دائرة الوفاق الوطني، حتى تتجاوز تونس الظروف الصعبة التي تمر بها في المرحلة الانتقالية الحالية».
وينص المشروع الذي قُدّم إلى المجلس التأسيسي على اقتراح رئيس للهيئة المستقلة للانتخابات عن طريق التوافق، في حين يجري ترشيح أعضاء الهيئة بالانتخاب على أن يضم مجلس الهيئة رئيساً و16 عضواً. ويجري اختيار الرئيس بالتوافق بين رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة ورئيس المجلس التأسيسي. وتعود إلى رئيس الهيئة صلاحية ترشيح 6 شخصيات لعضوية الهيئة (2 من المجتمع المدني، 2 من الهيئة السابقة، 2 من الشخصيات الوطنية ذوي الخبرة والاختصاص). أما باقي أعضاء الهيئة العشرة، فيجري توزيعهم بين مختلف القطاعات القانونية والأكاديمية.
ويُرتقب أن يكون هذا المشروع محوراً للجدل والنقاش السياسي في تونس، ولا سيما بعدما تسربت أخبار عن نية الحكومة التقدم بمشروع آخر لإنشاء هيئة مستقلة للانتخابات، تجري تزكية معظم أعضائها من قبل الأحزاب الثلاثة المشاركة في الائتلاف الحكومي الحالي، الأمر الذي عدّه الناشطون والأحزاب المعارضة والنقابات «ردة» صريحة عن المكسب الذي حققته تونس عندما تألّفت الهيئة العليا المستقلة للانتخابات، برئاسة الحقوقي كمال الجندوبي، الذي كان ممنوعاً من دخول تونس طيلة حكم بن علي. وطالبت معظم الفاعليات السياسية والاجتماعية بمنح صلاحيات دائمة للهيئة التي يرأسها الجندوبي، لتشرف على كل الاستحقاقات الانتخابية في البلاد. لكن حكومة النهضة صمّت آذانها عن تلك المطالب، في الوقت الذي يتغلغل فيه أنصار النهضة في مختلف مفاصل الإدارة التونسية. وأعاد توالي التعيينات الإدارية التي تحصل على أساس الولاء الحزبي إلى أذهان التونسيين شبح الحزب الحاكم سابقاً، الذي أحكم سيطرته على الجهاز الإداري، ما أفرغ التعددية السياسية من أي معنى، وحوّلها إلى مجرد واجهة صورية للنظام الاستبدادي.