أعقب خطاب الرئيس السوري بشار الأسد لمناسبة انعقاد الجلسة الافتتاحية لمجلس الشعب، زيارة المبعوث الأممي كوفي أنان لدمشق وانتهاء الجولة الدولية للرئيس الروسي فلاديمير بوتين. وبدا لافتاً أن خطاب الأسد تجاهل الوضع الدولي، وركز على الوضع الداخلي، وهذه رسالة بأنه ليس في وارد الخضوع لحملة الضغوط الدولية التي يجري تنسيقها حالياً لتنطلق مفاعيلها المختلفة مع انتصاف هذا الشهر، على شكل عقوبات مالية واقتصادية جديدة ضد الحكومة السورية، تقودها هذه المرة واشنطن


، وأيضاً، على شكل إسهام دولي متجدد لإعادة تنظيم المعارضة السورية المشتتة، من خلال إنجاح عملية انتخاب رئيس جديد للمجلس الوطني سيجري بين يومي ١٢ و١٣ الشهر الجاري في إسطنبول، وعبر البدء بحملة مساعدات للنازحين السوريين في كل من لبنان والأردن وتركيا تنفذها، بشكل خاص باسم المجتمع الدولي، كل من اليابان وإيطاليا، حيث سترسل الأخيرة خلال الأيام القليلة مشفى ميدانياً يهتم بالنازحين الموجودين في المنطقة الحدودية الأردنية، بالإضافة إلى تمويل سخي من الاتحاد الأوروبي للهيئات العاملة في شؤون النازحين سيبدأ صرفه خلال الفترة القريبة المقبلة.
والواقع أن مسرح الأزمة السورية، كما يبدو في هذه اللحظة، يوحي بتصعيد المواجهة. وما يشير إلى هذا الاستنتاج ثبات الموقف الروسي الداعم للنظام السوري، وكذلك قرار دول النواة الصلبة داخل مجموعة أصدقاء سوريا، بعد زيارة أنان، بتصعيد ضغوطها السياسية وعقوباتها على دمشق.
قادت هذه الوقائع المتشائمة الدبلوماسية الدولية إلى طرح سؤال عمّا إذا كانت زيارة أنان لدمشق قد باءت بالفشل، وما إذا كان إعلان فشله قد صار مسألة وقت، رغم استمرار معزوفة الكلام الدولي على الدعم اللفظي لمسعاه.
كاشف أنان، بعد مغادرته سوريا، دبلوماسيين أوروبيين بالانطباعات أو الاستنتاجات الأساسية التي تكونت لديه حول مهمته ومستقبلها، وقد حددها على النحو الآتي:
أولاً، بخصوص إمكانات إطلاق العملية السياسية، يعتقد أنان أنه لا يمكن حالياً المضي بها، فضلاً عن أنه ما عاد مستعجلاً ولا متحمساً لعملية سياسية لا يقودها السوريون أنفسهم.
ويفسر أنان السبب الرئيسي الذي يدعوه إلى الاعتقاد أن وقت البدء بالعملية السياسية لم ينضج بعد، ما يعدّه غموضاً كثيفاً يحيط بطبيعة المجموعات المعارضة العاملة على الأرض في سوريا.
ومن الأمثلة التي يسوقها أنان، أن المعارضة الداخلية تعاني أزمة بنيوية؛ فهي تبدو أكثر براغماتية، لكنها مصابة بوجود بون شاسع بينها وبين الحراك الجاري على الأرض. كذلك إن النظام السوري ـــ حسب ملاحظته ـــ يعاني أزمة ذاتية؛ إذ إنه ماضٍ في سياسة الإنكار، ولا يبدي استعداداً لإظهار نيات حسنة، رغم أنه يمكنه اتخاذ بعض الخطوات، كأن يطلق المعتقلين ويوزع المساعدات الإنسانية.
ويقترح أنان لإزالة هذا الغموض أن يجري على مستوى العمل الدولي مع المعارضة تبني منهجية مغايرة، فبدل تشجيعها على التوحد عضوياً، وهذا أمر غير ممكن، يجب تشجيعها على توحيد رؤيتها.
وبالنسبة إلى النظام، نقل أنان إلى الرئيس الأسد خلال لقائه معه ما سماه القلق الكبير الذي يسود المجتمع الدولي جراء تفاقم العنف في سوريا، ولفته إلى المخاطر التي قد تنتج من زيادة التصلب في المواقف.
وخلال لقاء أنان حسن عبد العظيم، أحد رموز هيئة التنسيق الوطنية المنخرطة في معارضة الداخل، نبهه إلى خطورة التصلب في المواقف. لكن الأخير، رغم تمسكه بخطة أنان، أبدى تشدداً بخصوص تحقيق أربع نقاط: إلزام النظام تطبيق النقاط الست، وقف العنف بالكامل، إتاحة المجال أمام التظاهر السلمي قبل الشروع في أي حوار، ورفض هيئة التنسيق التدخل الخارجي في الملف السوري.
ثانياً، يعترف أنان بأن مهمته، نتيجة الوضع السياسي الغامض واستمرار تصلب مواقف الأطراف، فشلت في تحقيق التهدئة. ويرى أن الحائط السياسي المسدود يجعل المضي في بناء آلية تهدئة، أمراً صعباً. لذلك، يعترف أنان بأنه أصبح أكثر دراية بالانتقادات التي توجه إلى خطته، إضافة إلى إمكانات الفشل التي تعتريها.
ثالثاً، بشأن الموقف الدولي من الأزمة، يرى أنان أنه لا يمكن تجاهل أن لروسيا تفرداً واضحاً بالملف السوري. لذلك ينبغي الاستمرار بالانخراط معها، والاعتراف بأن يكون لموسكو دور في رسم معالم مستقبل سوريا.
من جهة أخرى، يخالف أنان سياسة الاتحاد الأوروبي في خفض قنوات التواصل مع النظام السوري، من خلال إقفال السفارات الأوروبية في دمشق؛ فهي لن تسهم في تغيير مواقف النظام، فضلاً عن أنه يعتقد أن الحكومة السورية لن تبالي بطرد سفرائها من أوروبا وستتجاهل ذلك.
رابعاً، بشأن مهمة فريق المراقبين، يأخذ أنان على مطالبيه بجردة حساب فريق المراقبين لجهة مدى إسهامهم في وقف العنف أو تخفيف حدته. ويرى أنان أن هذه النظرة السائدة لدى دول أصدقاء سوريا تجاه مهمة المراقبين خاطئة. وهو تقصد خلال زيارته الأخيرة لدمشق أن يلتقي بأعضاء قيادة المراقبين ليبلغهم توضيحه لجوهر طبيعة مهمتهم، حيث قال لهم: «إن مهمة فريق المراقبين هي مراقبة وقف إطلاق النار، لا تحقيق وقف إطلاق النار». وعُدّ كلام أنان هذا رداً على منهجية اعتمدها المراقبون من خلال اعتبار أن الانخفاض النسبي إلى مستوى العنف منذ دخول المراقبين هو أحد إنجازات البعثة، وهو أمر ــ بنظر أنان ــ يخالف عمل قوات حفظ السلام في الأمم المتحدة الذي يقضي بأنه لا يمكن إرسال قوة حفظ سلام تابعة للأمم المتحدة (وفق الفصل السادس)، قبل تحقيق وقف إطلاق النار، ومن هنا عُدّت مهمة بعثة فريق المراقبين إلى سوريا سابقة في مهمات قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة. ويريد أنان إعادة مفهوم عمل بعثة المراقبين في سوريا إلى سياقها الصحيح.