الموسيقى تشير إلى حدث مثير. ترقب وحذر ورسائل سرية في لحظة كشفها. إنه إعلان يحذّر المواطنين من التحدث مع أجانب يبحثون عن معلومات ويعرفون ما يريدون ويرسلون حصيلتهم فوراً عبر الهواتف المحمولة. إعلان تبثه قنوات التلفزيون الرسمية، وقنوات أخرى لا تفسير لتضخمها إلاّ أنها بأموال أجهزة الدولة العميقة.


إعلان الجاسوس مضحك. تنقصه توابل وبهارات مسلسل رأفت الهجان الشهير. الاستماتة في نيل إعجاب الأجنبي، وفي الوقت نفسه كراهيته، باعتباره سبب الأزمات. عقلية لا مكان لها اليوم ومغادرتها متحف البروباغندا رغبة في نشر أو إعادة نشر لوطنية الكاكي. السذاجة وحدها لا تكفي. لا بد من أن هناك شيئاً ما أكثر غلظة لدى من تصور أنه يفعل فعلاً وطنياً بإعلان حذّر من الجواسيس. إنه حفار قبور خائب. حفر قبر صلاح نصر (مدير الاستخبارات في عهد جمال عبد الناصر) ولم يفهم أسراره. بحث في أدراج جهاز البروباغندا ولم يجد سوى خطة ما بعد هزيمة حزيران ١٩٦٧. ولم يفهم إلّا قشورها.
هذه الخطة الساذجة التي تقوم على نشر العداء للأجانب واعتبار كل «خواجة» عدواً حتى لو ثبت أنه يحب مصر. ولأن الدولة تتعرض لمؤامرة كبرى تحتاج إلى «اصطفاف» الشعب خلف قيادته وجهاز استخباراته. هذه السذاجة قد تصلح لما بعد الحروب، وقد تنقذ نظاماً مهزوماً أو ترمم شعبيته، لكنها ماذا يمكن أن تفعل الآن في ظل ثورة. ومع دولة تتخلص من تراثها الاستبدادي، أو بمعنى أدق تحاربه وتتصارع معه وتستعيد حيويتها بعد سنوات من الانحطاط والإقامة الطويلة في الحفرة.
الثورة قوة للمجتمع. فمن الذي يشعر بالهزيمة حتى يخرج من الدرج خطة الجواسيس. الإعلان يحذر الشباب من الكلام مع الأجانب. يحدث هذا في بلد يقوم اقتصاده على السياحة، أي على مدّ جسور الود والترحاب لضيوف الدولة ومصدر رزقها. ويحدث ذلك في لحظة انتهت فيها مدرسة الجواسيس القديمة. ولم يعد الجاسوس يقطع الأميال ليعرف سعر كيلو السكر وهل يعاني الشباب أزمة في السكن أم لا؟
هذه عقلية انتهت مع انهيار الحدود بين الدول في المعلومات، ومع تغير أساليب اختراق الجواسيس أو الأهداف منه. ثم ماذا يريد الجواسيس من مصر؟ ولماذا ومصر في حالة سلام حتى مع عدوها التقليدي: إسرائيل. الجواسيس في حالة الصداقة مختلفون، وليسوا كما صورهم الإعلان بهذه السذاجة الكاشفة لحالة الهزيمة في أجهزة الدولة القديمة. ليس لديها سوى حفاري القبور يفتشون في قبور نجوم استخبارات الستينيات ويطبقون برامجهم بكفاءة أقل وركاكة منقطعة النظير.
وهذا ليس إلا إعلاناً عن شعور الدولة بالهزيمة. ليس تجاه أعداء أجانب ولكن تجاه شعب لم تفهم أنه سيكون «شعباً» حقيقياً في يوم من الأيام ويتمرد على القمع والتسلط والفساد. لم تصدق الأجهزة الأمنية حتى الآن أن الشعب يمكنه أن يثور ويكسر الأقفاص التي حبس فيها، ويقرر بناء دولة لا تقوم على الخوف والرعب. دولة محترمة يشعر فيها الفرد بالحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية.
الدولة لديها شعور بالهزيمة فعلاً أمام الشعب. هذا الشعور يدفعها إلى أن تشحن كوادرها في أجهزة البروباغندا (المشتركة بين الأجهزة الأمنية والإعلامية) إلى التعبير عن هذه المشاعر، بنشر الخوف من جديد على الدولة.
الدولة تريد الشعب أن يشعر بالخطر على الدولة. ولأنهم لا يرون في الدولة إلّا أجهزتها الأمنية ولا يستطيعون أن يعترفوا بأن الخطر على هذه الدولة المستبدة هو المجتمع الذي عرف وأدرك أن هذا البلد بلده. لا بد من صناعة عدو أو التذكير بصورة العدو ليدافع المجتمع عن الدولة ضد الأجانب.
عبر هذه النظرة تتسرب أيضاً فكرة أن الثورة صناعة أصابع خارجية. وهي الأفكار التي يلتقي عندها مدير الاستخبارات السابق، عمر سليمان، بالشيخة ماجدة المتيمة بالرئيس «موباريك». وبينهما يأتي جيش طويل من الذين يريدون إمرار السيناريو الذي يبدو غريباً أو مدهشاً في لحظة ظهوره، لكنه يمر عبر شخصيات نتعامل معها بمنطق الفكاهة أو السخرية أو الدهشة من وجود كائنات تعيش بيننا وتفكر بهذه الطريقة. كما حدث مع توفيق عكاشة أو كما جرى التعامل مع خطاب المرشح الرئاسي أحمد شفيق المفكك المتقطع الذي يعبّر عن معنى أو رقع أفكار ليس أكثر. هذه الخطابات يجري حشوها عند قطاعات لا تزال في موقع المتفرج المنتظر أن تسقط عليها عطايا الدولة أو أوامرها. تنظر إلى السماء أو إلى الوحدة الزراعية أو مكتب التنسيق أو ساعي البريد يحمل خطاب التعيين أو تعليمات الدولة التي تقول له لا تتحدث مع الغرباء. ليس لك إلا نحن. نحميك ونطعمك ونشغلك ونفكر بدلاً منك في مستقبل البلد. نعرف مصلحتك. ونحذف الأفكار التي تضرك والمعلومات التي تصيبك بالتفكير. أما الغرباء فنحن فقط الذين نقابلهم. نتفق وندبر ونخطط ونغير السياسات كما يريدون. لكن أنت عندما تقابل غريباً أو أجنبياً، فطارده واقبض عليه. لأنك قد تخطئ أمامه بمعلومة تمس مصلحة البلد؟
وما هي مصلحة البلد؟ إنها عندنا. نحتفظ بها في طلسم الطلاسم. مصلحة البلد هي ما نراه. هذا ما تقوله أجهزة الدولة وتثبته عند مجتمع تربى على العقلية العسكرية من دون أن يرتدي الكاكي. وعاش في ثُكَن مفتوحة من دون أن ينهي خدمته في الجيش.
الثورة خطر على هذه العقلية. وأجهزة الأمن تحرض ضدها قطاعات لا تزال أسيرة تربية الميري ووطنية الكاكي. ولأن أسلحتهم فاسدة وقطع غيارها نفدت لم يجدوا سوى قبر صلاح نصر ليحفروه ويخرجوا منه الدود الذي يخرج على الناس من تلفزيون الحكومة... ومن أراد لعب دوره أو وراثته.

لماذا نسينا النكسة؟






على مدى سنوات، لم تغب ذكرى النكسة من ذاكرة المصريين. المجتمع لم يتجاوز الهزيمة، لكنه لم يحاسب المسؤولين عنها. لكن فجأة، قرر أن يهرب من أقدار الهزيمة ويملك قوة يحاسب بها... فغابت الذكرى

للمرة الأولى منذ ٤٥ عاماً، لم تكن ذكرى هزيمة حزيران ١٩٦٧ حاضرة كما كانت منذ تلك الظهيرة الساخنة وحرب الأيام الستة التي سُميت تخفيفاً أو نفاقاً: نكسة. لكنها كانت هزيمة بكل ما تحمله الكلمة من معنى ثقيل ومؤلم وقاسٍ.
الهزيمة جرى تجاوزها عسكرياً بحربٍ كان عنوانها العسكري والشعبي «تحرير» سيناء، وعنوانها السياسي «تحريك» القضية التي كانت قد تصلبت عند مرحلة «اللاسلم واللاحرب». لكن المجتمع لم يتجاوز الهزيمة. ظلت معلقة. تأثيرها أقوى ومذاقها لم يمحه نصر تشرين الأول/ أكتوبر من عام 1973. ومنذ خمس سنوات، أي في الذكرى الأربعين للهزيمة، سألت: لماذا تأثير الهزيمة أقوى من النصر؟ هل عرفت مصر لماذا هزمت؟ هل عرفت من المسؤول عن هزيمة 1967؟ وزير الحربية حينها عبد الحكيم عامر؟ الرئيس الراحل جمال عبد الناصر؟ أم أنه النظام كله؟ السؤال كان حاضراً رغم النصر. بل إن هزيمة حزيران حاضرة، رغم قدرة الجيش المصري على تجاوز آثار الهزيمة العسكرية. هل انتصر الجيش على الجبهة واستمرت هزيمة المجتمع؟ ربما أدرك قادة الحرب دروس العبور من الهزيمة إلى النصر، لكن كيف كان انعكاس النصر في المجتمع؟ هل سرق؟ هل استفاد المجتمع من النصر شيئاً سوى الأغاني. الأغاني هي حبوب منشطة لقوى مكسورة، منهكة وعاجزة. هل كنا نغني للنصر بينما الهزيمة تأكل أرواحنا وتشل حركتنا؟
لماذا بعد أكثر من ٣٩ سنة من النصر لا تزال الهزيمة ساخنة، طازجة؟ هي المسؤولة عن كل شيء: ارتفاع الأسعار، الديكتاتورية، توحش التطرف الديني، الفتنة الطائفية وحتى العجز الجنسي؟ لماذا لم يمنح النصر قوة للمجتمع الذي انتصر؟
حتى اليوم لم تهتم جهة بإعلان المسؤولية عن الهزيمة. حامت التهمة حول شلة الحكم وقتها. لكن لم يمتلك أحد الشجاعة لإعلان المسؤول ومحاسبته. حاول عبد الناصر إعلان المسؤولية بنحو فردي وعلى طريقة الفرسان. لكن الشعب تعامل بعاطفية وخرج في تظاهرات التنحي تطالبه بالاستمرار.
كان المشهد عاطفياً: قائد مهزوم يعلن أنه مسؤول. وحشود شعبية تخرج لتمسح العار عن زعيمها. يسيطر عليها إحساس اليتم. والتعاطف مع أب في لحظة ضعف. أين الدولة؟ وماذا تفعل مؤسساتها؟ ألم تكن هناك قيم أكثر تأثيراً من هذه المشاهد الأقرب إلى البدائية؟
الغريب أن إنجاز حرب تشرين الأول/ أكتوبر الأساسي هو شحن حيوية الدولة المهزومة. خرجت الدولة قوية. الرئيس الراحل أنور السادات عاد بطلاً عسكرياً وصاحب معجزات. لكنه أعلن فجأة، رغم النصر، أن 99 في المئة من أوراق اللعبة في يد أميركا.
وعُدَّت هذه الجملة الحجر الأساس في واقعية سياسية جديدة تنهي زمن الشعارات الرنانة. لكن غالباً، واقعية السادات لم تتحرك خطوات أبعد من عاطفية عبد الناصر. دولة الاستبداد استمرت.
الفارق الوحيد أنه بعدما كان المستبد عادلاً، تخلى عن العدل. وترك المجتمع غابة، الانتصار فيها للأقوى. جمهورية الخوف استمرت. وهذه كانت أساس الهزيمة. منع الخوف الناس من محاسبة المسؤول عن الهزيمة. ومنعهم من مواجهة قائد الانتصار وهو يقتله قبل أن يتحول إلى روح جديدة تغير الدولة، وتصلح شرخ الهزيمة. هزمتنا جمهورية الخوف قبل أن تهزمنا إسرائيل. هذه الفكرة تستحق البحث الآن بقوة. أجهزة الاستبداد حولت الحياة إلى رعبٍ دائم. وتحالفت تماماً مع وحوش الفساد لتعود الدولة كلها إلى الوراء.
الدولة التي ارتبطت بحلم مغامرين (من محمد علي إلى جمال عبد الناصر) ظلت أسيرة المغامرة ولم تتحول إلى حقيقة تعبّر عنها مؤسسات فوق الجميع.
إسرائيل كانت حلم «عصابات» صغيرة مشردة في العالم كله. لكنها أدركت أنها لن تستمر، وتبقى في محيط سيظل يعاديها ويكرهها، ويتعامل معها على أنها «كيان غير طبيعي». أدركت أنها لا بد أن تكون دولة مؤسسات لا أحد فيها فوق القانون ولا المصلحة. لم نتعلم الدرس. ولم نحارب العدو بأسلحته. وتركنا الحلم يتسرب بطريقة مثيرة للدهشة. نكتفي بالبكاء وحفلات لطم الخدود والشعور المتضخم بأن الهزيمة قدر لا يمكن الإفلات منه.
لم نكن نتوقع سوى الهزائم، وإسرائيل المرعوبة والخائفة كانت ترعبنا وتخيفنا بنحو لم يستدع التفكير، لكنه استدعى التواطؤ معها ضد مصلحتنا والاكتفاء بلعنتها في السر.
أمس نسينا النكسة والهزيمة. أمس كنا في مزاج الثورة، المشحون بالأمل أحياناً والإحباط أحياناً. لكن المجتمع خرج من غيبوبة طويلة، وقرر أن يغير مجرى التاريخ ويهرب من أقدار الهزيمة. المجتمع قرر أن يملك قوة. يحاسب بها «لصوص الدولة» وطبقة الحكم الناهبة. قرر المجتمع استرداد موقعه في هندسة الدولة لتكون دولة لا عزبة مملوكية.