في أواخر شهر شباط الماضي، قال رئيس هيئة الأركان المشتركة الأميركية، الجنرال مارتن ديمبسي، في مقابلة مع قناة «سي إن إن»: «أتحدّى مَن يستطيع أن يحدد لي بوضوح ما هي المعارضة السورية اليوم». وبعد أيام، وخلال شهادته في مجلس الشيوخ في ٧ آذار ٢٠١٢، أشار ديمبسي إلى «وجود أكثر من ١٠٠ مجموعة مسلحة معارضة في سوريا كُشفت حتى الآن». وفي الجلسة نفسها، شرح وزير الدفاع الأميركي ليون بانيتا «المشاكل التي تحول دون دعم الإدارة الأميركية للمعارضة المسلحة في سوريا»، قائلاً إنه «لا يوجد حتى الآن أي بديل عسكري موحّد أو معترف به أو معيّن ويمكن الاتصال به من ضمن المعارضة المسلحة في سوريا».


بانيتا أضاف، في شهادته، أنّ «من غير الواضح بالنسبة إلينا مما تتألف تلك المعارضة لغاية الآن». أما ديمبسي فرأى أنّ «من السابق لأوانه اتخاذ قرار بتسليح المعارضة في سوريا».
أمام هذا التردد الأميركي بتسليح المقاتلين السوريين وتذرّع المسؤولين بضبابية تلفّ واقع المجموعات المعارضة المسلحة «المشتتة»، تبرّع «معهد دراسة الحرب» الأميركي بتبديد الغموض حول المقاتلين السوريين وتقديم النصح للإدارة الأميركية علّها تجد ضالّتها فتعدل عن تمنّعها. المعهد، الذي يديره عدد من أبرز مستشاري حربي أفغانستان والعراق، نشر تقريراً مفصّلاً عن أهمّ الكتائب والفرق القتالية على الجبهات السورية التي نشأت منذ حزيران ٢٠١١ معرّفاً برموزها وقادتها وإنجازاتها حتى شهر آذار ٢٠١٢.
معدّ التقرير، الباحث في المعهد جوزف هوليداي، أعلن في المقدمة أنه «يأمل تسليط الضوء على الشق المنظّم داخل تركيبة المعارضة المسلحة وعلى الشق الذي ينقصه التنظيم والإدارة». ويردف بأنه «لا يبدي تأييده لسياسية التسليح ولا يرفضها، بل يريد تقديم شرح مفصل عن المعارضة السورية المسلحة بغية مساعدة الإدارة الأميركية في اتخاذ قرارها».
التقرير عدّد الفرق التي تنضوي تحت لواء «الجيش السوري الحرّ» وبعض الفرق الأخرى «غير المعرّفة» و«غير المرتبطة بجهة محددة»، إضافة إلى المجموعات الجهادية المرتبطة بتنظيم «القاعدة»، مرفقة بخرائط وجداول توضيحية وملحقين حول تركيبة كل كتيبة قتالية وموقعها الجغرافي والتعريف بأهمّ قادتها.
وفي الخاتمة خلص التقرير إلى نتائج، أبرزها أن المعارضة السورية المسلحة «يمكن تحديدها، وهي منظّمة وفاعلة حتى لو لم تكن موحدة». لذا، دعا التقرير واشنطن إلى «تطوير علاقاتها مع عناصر مهمة وحساسة من تلك المعارضة المسلحة بغية تحقيق الأهداف المشتركة التي تجمعها بهم والتمكّن من إدارة عواقب سقوط نظام بشار الأسد أو في حال إطالة النزاع».
أولاً في الكتائب المنضوية تحت لواء «الجيش السوري الحرّ»: حرص التقرير على التوضيح منذ البداية أن «الجيش السوري الحرّ ومقرّه المعلن تركيا، هو بمثابة مظلة للحركات المعارضة المسلحة ولا يدير سلسلة قيادية عسكرية تقليدية». ومن بين الفرق الـ ٢٢ التي أعلنها «الجيش السوري الحرّ» في تشرين الأول عام ٢٠١١، حدد التقرير ٣ «ميليشيات أساسية» وفاعلة ترتبط مباشرة بـ«الجيش السوري الحرّ» ونفذت عمليات فعّالة ضد الجيش السوري، وهي: فرقة خالد بن الوليد (حمص) بقيادة عبد الرحمن شيخ علي، تضمّ أكثر من ٣ آلاف عنصر، ومن أبرز كتائبها كتيبة الفاروق بقيادة عبد الرزاق طلاس، كتيبة هرموش (جبل الزاوية) بقيادة يوسف يحيى، تضمّ نحو ١٥٠ عنصراً، كتيبة العمري (حوران) بقيادة قيس قطاعنة وتضمّ ١٠٠ عنصر.
التقرير يوزّع الفرق الأخرى حسب «مدى فاعليتها وقوتها» ومدى ارتباطها بـ«الجيش الحرّ»، مثل كتيبة أبو الفداء التي انضمت إليها كتيبة أسامة بن زيد (حماه)، قائدها زهير الشيخ، وتضمّ ٥٠٠ عنصر وألحقت بـ«الجيش الحر» أخيراً. الفئة الثالثة من الفرق هي التي لها ارتباط وثيق بـ«الجيش الحر»، «لكن لا نستطيع تحديد فاعليتها، نظراً إلى كثرة الفرق المقاتلة ضمن منطقتها» مثل: كتيبة حمزة (إدلب) بقيادة عبد الستار يونس، وكتيبة الحرية (حلب) بقيادة إبراهيم مجبور، وكتيبة القاشوش (حماه) بقيادة أيهم الكردي...
يذكر التقرير أيضاً عدداً كبيراً من الفرق المقاتلة غير المحددة القيادة أو العديد، بعضها نفّذ عمليات «نوعية» ضد الجيش السوري والبعض الآخر «مشكوك بفعاليتها» مثل: كتائب «شهداء الحرية» و«رائد المصري» (درعا) و«معاوية» (سراقب)، «أبو بكر الصدّيق» (إدلب)...
تقرير جوزف هوليداي يعود إلى نشأة «الجيش السوري الحرّ» وأولى فرق الضباط المنشقين ثم توسعه ليشمل فرقاً أخرى. ويعرض التسلسل الزمني لمعظم المعارك التي قادها المتمردون، بدءاً من جسر الشغور في حزيران ٢٠١١، مروراً بالرستن وجبل الزاوية والزبداني، وصولاً إلى بابا عمرو في شباط ٢٠١٢. وخلال عرض المعارك، سعى التقرير إلى إبراز الخطط العسكرية للفرق المقاتلة، مبيناً أن انسحابها من مختلف المناطق كان «تكتيكياً للحدّ من الخسائر»، إضافة إلى التنويه بصمود بعض الكتائب بوجه هجمات الجيش السوري العنيفة.
الملحق الأول للتقرير يضم أسماء وصور أبرز قادة الفرق القتالية وبعض المعلومات عنهم وعن المعارك التي قادوها وهم مقسمون إلى فئات هي: قادة الجيش السوري الحر الموجودون في تركيا وقادة الوحدات القتالية وقادة كتيبة خالد بن الوليد، وقادة حماه وجنوب إدلب. أما الملحق الثاني فيعدد الفرق القتالية حسب مناطقها الجغرافية ويذكر عديدها وقيادتها وإنجازاتها.

«القاعدة» وتهريب السلاح


تقرير هوليداي يتحدّث أيضاً عن وجود فرق ومقاتلين مرتبطين بتنظيم «القاعدة»، مثل «جبهة النصرة». ويلفت الباحث إلى «لجوء كتائب المعارضة إليها للاستفادة من خبرتها القتالية والاستعانة بها». لكن هوليداي يتهم النظام السوري باستخدام «القاعدة» لـ«جعل المعارضة المسلحة متطرفة». ويذكر الكاتب مثل إطلاق سراح أبو مصعب السوري «بغية عرقلة وتصعيب التدخل الخارجي وكسب التأييد الداخلي». كذلك لا يستبعد هوليداي أن تكون «بعض المجموعات المرتبطة بالقاعدة التي كانت موجودة داخل سوريا والتي كانت على علاقة بالاستخبارات السورية قد انقلبت عليها وباتت تحارب النظام».
أما عن تهريب السلاح، فيؤكد التقرير أن «لبنان هو المصدر الأهم لتهريب السلاح إلى الجبهات السورية براً وبحراً»، وهو «الملجأ الأساسي للمنشقين من الجيش السوري». ويذكر التقرير منطقة وادي خالد وعرسال والقاع كأبرز معابر التهريب. إضافة إلى لبنان، يذكر التقرير أيضاً تهريب السلاح عبر الحدود العراقية والتركية بنحو كبير.
خلاصات وتوصيات
أما في الخلاصات، فيرى معدّ التقرير أنه نظراً إلى قدرات الجيش السوري النظامي وتجهيزاته المتطورة وتلقيه الدعم الخارجي من روسيا وإيران، فإن «الفرق المعارضة القتالية ستلجأ إلى خطوط خارجية أيضاً لمدها بالسلاح والدعم إذا قررت الاستمرار بمعاركها ضد النظام». هنا، يلفت هوليداي إلى اضطرار المقاتلين السوريين للحصول على أسلحتهم من خلال السوق السوداء وشرائها بأسعار باهظة من المهربين، في أغلب الأحيان.
وعن «القاعدة» يشدد الكاتب على أن «الكتائب القتالية في سوريا قد يلهمها الإسلام، لكنها ليست جهادية متطرفة». ويردف هوليداي، بأنّه «كلّما طال الصراع في سوريا واشتدت المعارك، توحد المقاتلون مع الجهاديين أصحاب الخبرة القتالية العالية». وهنا يلفت التقرير إلى «خطورة أن تسلّح واشنطن الجبهات السورية، ومن ضمنها القاعدة». لكنه من جهة أخرى يقول: «إذا تواصلت الولايات المتحدة مع قادة المجموعات المعارضة المسلحة ودعمت بعض الفرق المقاتلة المحددة، فقد يساعدها ذلك على احتواء خطر القاعدة وسيطرتها على الجبهات».
نصيحة أخيرة يوجهها التقرير إلى واشنطن، هي «أن يفرّق المسؤولون الأميركيون بين المعارضة السورية في الخارج والمعارضة المسلحة، وضرورة أن يدركوا أنهما غير متفقين في ما بينهما. لذا، يجب على واشنطن أن تبني علاقات مع بعض القادة المقاتلين في الداخل السوري للسيطرة على مجريات الأمور في حال سقوط النظام أو في حال استمرار المعارك».

«جورج واشنطن سوريا»




بعد شهر على إصدار التقرير عن «المعارضة السورية المسلحة»، نشر «معهد دراسة الحرب» الأميركي خلال شهر نيسان ٢٠١٢ دراسة أخرى رصدت «المعارضة السورية السياسية» وأبرز مكوناتها ووجوهها وناشطيها

كما قدم التقرير الأول جردة بأسماء أبرز الضباط وقادة الفرق الحساسة ونصح واشنطن بإقامة علاقة معهم، عرض التقرير الثاني أبرز المعارضين السياسيين في سوريا، وقدّم النصح للإدارة الأميركية بالاتصال بهم والتنسيق معهم فوراً.
الباحثة في «معهد دراسة الحرب»، إليزابيت أوباجي، عرضت تاريخ وواقع معظم المجالس واللجان والتنسيقيات الشعبية التي تتبنى التحركات السورية سياسياً وأبرز شخصياتها. الكاتبة أوضحت، في مقدمة تقريرها، أنّ «على المسؤولين السياسيين في الإدارة الأميركية أن يتعرفوا إلى المعارضة السورية السياسية في المهجر وفي الداخل لبلورة نظرة واضحة حول أهدافها ووضع استراتيجية أفضل لدعمها». أما الهدف الأساسي من التقرير فهو كما تشير الباحثة «تقوية المعارضة السياسية من خلال خلق روابط بين المجالس الوطنية الموجودة والقواعد الشعبية، أساس التحرك السياسي في سوريا، لملء الفراغ القائم حالياً بينها». الباحثة تشير إلى أنّ على السياسيين الأميركيين «أن لا يتوقعوا الجلوس إلى طاولة واحدة مع فريق محدد يمثل كل أطياف المعارضة السورية، لذا يجب عليهم أن يتعاملوا مع المعارضة الشعبية ــ العسكرية الناشئة على أرض الواقع».
تقرير أوباجي يركّز على أهمية المجالس الثورية والقواعد الشعبية التي تنظم التظاهرات وتنسّق التحركات مع المجموعات المسلحة؛ لأنها الحلقة الأقوى شعبياً والأفعل ميدانياً، علماً بأن لا رمز سياسياً موحداً لها ولا وجه بارزاً. هنا يقترح التقرير في جزئه الأخير أسماء ٣ ناشطين سياسيين بارزين يشبههم بـ«جورج واشنطن الذي تحتاجه سوريا»، لتجمع بين مختلف الأطياف السياسية القائمة، وهؤلاء هم: كمال لبواني، سهير أتاسي ويحيى شربجي.
في الجزء الأول، يعاين التقرير واقع حال «المجلس الوطني السوري» و«لجنة التنسيق الوطنية» منذ نشأتهما. التقرير يصف المجلس الوطني بـ«المظلة السياسية»، وقد «بدأ يفقد صدقيته بين مختلف المجموعات المعارضة في الداخل بسبب تمركزه في الخارج وبعده عن القواعد الشعبية وعدم تنسيقه مع الجيش السوري الحر». ومن أبرز مشاكل المجلس الوطني التي يعددها التقرير، سيطرة غالبية من «جماعة الإخوان المسلمين» عليه، تنافسه مع «الجيش السوري الحر» على إدارة الدفة السورية وانعدام التنسيق بينهما... أما عن «هيئة التنسيق»، التي تمثّل معارضة الداخل، فيقول التقرير، في ما يشبه نعيها، «إنها تحظى باعتراف محدود من النظام السوري، وهي تدعو إلى التغيير والإصلاح السياسي في ظل النظام الحالي».
لذا، يركز التقرير في جزئه الثاني على تسليط الضوء على المجالس الثورية (من هيئة عامة ومجلس قيادة وتنسيقيات) «تدير الحراك السياسي الفعلي في الميادين، مبتعدة عن التنافس على المقاعد السياسية وغير مهادنة للنظام الحالي». يرى التقرير أن «القواعد الشعبية للحراك، وعلى الرغم من عدم مركزيتها، إلا أنها تتمتع بتنظيم عالي المستوى وتطور تكتيكي لافت يشبه إلى حدّ بعيد المعارضة المسلحة». وتشرح أوباجي هرمية تشكيل المجالس الثورية وكيفية عملها في مختلف المحافظات السورية وتنسيقها بين اللجان المتوزعة عليها. كذلك يبرز التقرير الدور المهم الذي تؤديه تلك «القواعد الشعبية» بتواصلها مع «الجيش السوري الحر» ومختلف الكتائب القتالية لضمان أمن المتظاهرين والإبقاء على التنسيق المدني ــ العسكري.
التقرير يظهر المشكلة الأساسية التي تعانيها المعارضة السورية حالياً، وهي «الفراغ القائم بين القواعد الشعبية والمجلس الوطني»، وخصوصاً أن تلك القواعد والمجالس الثورية تتألف بمجملها من ثوار شباب لا تربطهم أي صلة بـ«المجلس الوطني» في إسطنبول، يوضح التقرير.
لذا، تقترح أوباجي على واشنطن «ملء الفراغ الحاصل من خلال شخصيات جامعة شبابية توفق بين مختلف الأطراف المعارضة مثل كمال لبواني، وسهير أتاسي ويحيى شربجي». وفي التقرير لمحة عن ماضي هؤلاء وحاضرهم ونشاطاتهم.