القاهرة | الأزمات تقضي على ما بقي من الثورة. فقبل أيام من جولة الإعادة لأول انتخابات رئاسية بعد الثورة، تجددت الأزمات وتفاقمت. فرغم الاتفاق المسبق بين قوى التيار المدني والإسلامي، على معايير تشكيل الجمعية التأسيسية لصياغة الدستور، أعلنت غالبية القوى المدنية الانسحاب من الجمعية، وخرج الشكل الأخير للجمعية ذا صبغة إسلامية بنحو كبير. وبعد إعلان حزب الحرية والعدالة أنه جرى التزام الاتفاق مع الأحزاب المدنية، تبين أن الإسلاميين المنظمين والمتعاطفين مع أفكارهم تجاوزت نسبتهم الـ60 في المئة من أعضاء الجمعية.


في المقابل، جرى تجاهل الأقليات، كالمرأة والأقباط. وحسب التشكيل النهائي للجمعية التأسيسية للدستور، تمثل المرأة نسبة 7 في المئة فقط من المئة شخصية، بينهم ثلاث سيدات ينتمين إلى حزب الحرية والعدالة الإخواني. وتُعَدّ النسبة بكاملها قليلة، مقارنةً بنسبة وجودها في المجتمع؛ إذ تشير إحصاءات عدة إلى أن المرأة تمثّل ما يزيد على نصف المجتمع المصري. أما الأقباط فحصلوا على نسبة 8 في المئة فقط، منهم 4 أعضاء رشحتهم الكنائس المصرية المختلفة، و4 أعضاء آخرين انتخبوا باعتبار أنهم شخصيات عامة. ومُثِّل شباب الثورة في الجمعية بنسبة 7 في المئة، من بينهم الطالب الإخواني أحمد عمر، الذي يشغل منصب أمين اتحاد طلاب مصر، وإكرامي سعد، أحد مصابي الثورة ومرشح حزب الحرية والعدالة للجمعية التأسيسية. كذلك اختير منسق حركة «6 أبريل»، الشاب أحمد ماهر، الذي أعلن قبل يومين تأييد الحركة لمرشح جماعة الإخوان المسلمين، محمد مرسي، في جولة الإعادة في مواجهة أحمد شفيق. وربط بعض الرافضين للتأسيسية بين تأييد ماهر لمرسي، وانتخابه في الجمعية.
وترددت أنباء أمس تناقلتها مواقع إخبارية، عن نية عضو المجلس العسكري، اللواء ممدوح شاهين، الانسحاب من الجمعية. ونقلت مصادر قريبة من ممثل للقوات المسلحة في التأسيسية، قوله إن «الإخوان ملهمش كلمة. ولا حل أمامنا سوى الانسحاب من هذه التأسيسية». وفي هذه الحالة، تكون نسبة استمرار الجمعية ضئيلة جداً، ولا سيما مع مطالبات مؤسسات حقوقية قبطية الكنيسة بسحب ممثليها من التأسيسية؛ «لأن التيار الإسلامي يحاول خطف البلد». كذلك، أكدت مجموعة من الأحزاب المدنية أن الجمعية لن تستمر كثيراً، وسيبطلها القضاء كما أبطل الجمعية السابقة.
وفي خطوة تسعى للعودة إلى الخلف، وتعد تمكيناً لسلطة العسكر في الشارع المصري، قرر وزير العدل المستشار عادل عبد الحميد، «منح ضباط وضباط الصف في الاستخبارات الحربية والشرطة العسكرية، سلطة الضبط القضائي للمدنيين لحين إقرار الدستور الجديد». وجاء في القرار، الذي نشر أمس في الجريدة الرسمية للبلاد «الوقائع المصرية»، أن السلطة الممنوحة للعسكر تكون في «عدد من الجرائم التي تندرج تحت قانون العقوبات من الجرائم التي تقع من غير العسكريين، مع عدم الإخلال بالاختصاصات المنصوص عليها في قانون القضاء العسكري». وهو ما عدّه النائب محمد منيب، «عسكرة للدولة». ورأى أن «الحكومة دفعت به عوضاً عن قانون الطوارئ»، لكنه كشف في الوقت نفسه عن قانونية هذا الإجراء.
وأوضح أن «من حق وزير العدل، حسب قانون الإجراءات الجنائية، منح صفة الضبطية القضائية لمن يريد بشكل مؤقت أو بشكل دائم»، مشيراً إلى أنّ «من حق مجلس الشعب أن يراقب القرار ومراجعة الوزير فيه». لكنه لفت إلى أن «القانون لا يشترط العودة إلى البرلمان قبل إصدار القانون».
بدوره، رأى النائب عمرو حمزاوي القرار «إعادة إنتاج للطوارئ بأدوات جديدة ويهدد دولة القانون».
ويأتي كل هذا الارتباك، قبل يومين فقط من انطلاق جولة الإعادة في الانتخابات الرئاسية، التي ستجري خلال يومي السبت والأحد المقبلين. وبينما ازدادت حدة المعركة بين المرشحين للرئاسة محمد مرسي، مرشح حزب الحرية والعدالة، وأحمد شفيق آخر ئيس وزراء في نظام المخلوع حسني مبارك، يصر قطاع واسع من الناخبين على مقاطعة أو إبطال أصواته في صناديق الاقتراع.
ومن المقرر حسب اللجنة العليا للانتخابات الرئاسية، أن تبدأ فترة الصمت الانتخابي للمرشحين من الساعة الثانية عشرة ظهر غد الجمعة. ويحظر خلالها على أي مرشح إقامة مؤتمرات أو لقاءات جماهيرية مع بدء فترة الصمت الانتخابي. كذلك يحظر على مؤيدي أي من المرشحين الدعاية لهما بأي طريقة لحين إجراء الانتخاب.
وأكد الأمين العام للجنة العليا المشرفة على الانتخابات الرئاسية، المستشار حاتم بجاتو، أن اللجنة «تتعهد إجراء الجولة الثانية من الانتخابات في جو من النزاهة والحيادية التامة». ولفت خلال مؤتمر صحافي إلى أن «القضاة تعهدوا للجنة أن تخرج الانتخابات على مستوى يليق بقضاء مصر الشامخ»، نافياً في الوقت ذاته وجود أزمة بين البرلمان والقضاء. وأكد أن «الأزمة بين بعض النواب وبعض القضاة». وشدد بجاتو على أن اللجنة «قامت بعملها على أكمل وجه من ناحية انتقاء الأسماء وفرزها، في قاعدة البيانات الخاصة بمن يحق لهم التصويت في الجولة الثانية لانتخابات رئاسة الجمهورية».
إلى ذلك، دعا رئيس مجلس الوزراء المصري، كمال الجنزوري، أمس، الشعب إلى تقبُّل نتيجة انتخابات رئاسة الجمهورية واحترام إرادة الأغلبية. وحثَّ الجنزوري، في كلمة مقتضبة وجَّهها عبر الصفحة الرسمية لمجلس الوزراء المصري على شبكة التواصل الاجتماعي «فايسبوك»، الشعب المصري على ضرورة توضع مصلحة مصر فوق كل اعتبار بعيداً عن المصالح الخاصة «للعبور بمصر من هذه المرحلة الحرجة في تاريخها».
وفي السياق، قرَّر رئيس مجلس الوزراء المصري اعتبار يومي السبت والأحد المقبلين إجازة رسمية مدفوعة الأجر لجميع العاملين في مختلف قطاعات الدولة لتمكينهم من الإدلاء بأصواتهم في الجولة الثانية لانتخابات الرئاسة.