تختلف أسباب تهجير العائلات القادمة من حمص نتيجة أعمال العنف في مختلف المناطق، وتختلف معها وجهات النظر حول المرحلة المقبلة في البلاد عامة، وفي مناطقهم خصوصاً. بالمقابل، يشترك أهالي حمص المهجّرون في المعاناة في تأمين معيشتهم، وطريقة خروجهم الصعبة من منازلهم. تعتبر قرى دير عطية، والنبك في القلمون، ومنطقة الوادي في حمص، وطرطوس ودمشق من أكثر المناطق التي استقبلت العائلات النازحة. وتمّ، في مناطق عديدة، فتح بيوت لاستقبالهم، وانطلقت مبادرات لتأمين كل ما يلزمهم من مواد، لكن الأصعب كان تأمين عمل للذين فقدوا مالهم وعملهم.


تدخل إلى منزل عائلة قادمة من «القصير» ليستقبلك صوت طفلة صغيرة. اسمها ياسمين (5 أشهر)، ولدت في دمشق بعد شهرين من هروب عائلتها. «سميتها بهذا الاسم حتى تبقى ذكرى أنها ولدت في دمشق»، يقول والدها. يروي ماهر «للأخبار» عن كيفية خروجهم من بيتهم: «في بداية الأحداث، لم نكن نتوقع أن نصل إلى هذه المرحلة، منذ أن بدأت المشاكل تزداد وتيرتها في منطقتنا، قررت الخروج، وخاصة بعد ما سمعته من أقاربي بأن الأمور ذاهبة نحو الأسوأ». ويتابع «من حسن حظنا أنّ لدى زوجتي أقارب موجودين في العاصمة، استطعنا السكن في بيت آخر يعود لهم، لقد أصبت بإحباط كبير عندما عرفت أن الحي الذي نسكن فيه أصبح دماراً ولا أدري ما حلّ ببيتنا».
يشبه وضع ماهر حالة عائلة ثانية، استأجرت منزلاً في منطقة جرمانا بعد نزوحها من الحميدية. وتتحدث الأم عن قصتهم قائلة «نحن لم نخرج خوفاً من أهل البلاد، خوفنا هو من العصابات التي بدأت تدخل الأحياء. لم تعد مجرد معركة بين طرفين، لقد دخل فيها الكثير من العناصر». وعن بيتها وإمكانية عودتهم، تقول «أسمع كثيراً في الأخبار أنهم يحذرون من حرب أهلية، حتى الآن لم أفهم بين من ومن! حين قررنا المغادرة، طلب منا جيراننا الذين ينتمون إلى دين مختلف أن لا نخرج، ويوم رحيلنا قالوا لنا إن بيتنا سيبقى في حمايتهم، بالنسبة إلينا ليس هناك حرب أهلية، نحن نعيش معاً وخوفنا من الأطراف الغريبة التي دخلت منطقتنا».
باحثاً عن عمل، يدخل أبو محمد قهوة الروضة. ويحدثنا عن حاله، «كنت صاحب عمل ولديّ 15 موظفاً، أملك مطبعة وعائلة، الآن أنا أبحث عن أي عمل أستر به نفسي، لا أدري ماذا حصل في بيتي، ولكن ما أعرفه هو أن مطبعتي قد دمرت بالكامل». عند سؤاله عن المسبب الرئيسي في هذا الأذى الذي لحق به، يضحك ساخراً، ويصف ما حدث في ليلة خروجه: «أنا جزء من الفئة الصامتة، لست مع النظام ولا مع المعارضة، ولا مع الجيش الحر. وقعت المعركة بين الجيش الحر والجيش النظامي. نتيجة القصف بين الطرفين، حدث دمار هائل وكان رزقي من بين ما دمر في المعركة».
في لقاء آخر مع الذين تضررت أعمالهم، أحد الدكاترة بقي مع زوجته في منطقة مشتعلة، ولكن في النهاية اضطر إلى الخروج، «كانوا يقولون عني مجنون لأنني بقيت في حمص مع تصاعد الأحداث، لكن قررت البقاء مع زوجتي واستمررت في العمل رغم تراجعه، إلى اليوم الذي دخلت عليّ مجموعة عرفّت عن نفسها بأنها إحدى كتائب الجيش السوري الحر، طلبوا مني أن أترك عيادتي وأعطيهم ما أملك، حينها أعطيتهم بعض الأموال، لكن طلبت منهم أني أريد المحافظة على عيادتي. بعد نقاش طويل، خرجوا وأنا بدوري خرجت مسرعاً ولم أعد من وقتها».
بعد محاولة صعبة للقاء أحد الشباب الذين يعملون على تقديم المساعدات للنازحين، استطعنا مقابلة أحدهم، رغم تحفظه عن ذكر اسمه ومكان وجوده. وقال «أنا أقوم بتوزيع المساعدات على العائلات النازحة، وأنا من المعارضين للنظام، فكل عملي يكون بدون معرفة أحد، وخاصة بعد اعتقال العديد من الشباب الحماصنة المعارضين وتوجيه اتهامات لهم بتهريب السلاح». يكمل الشاب حديثه، والخوف واضح في عيونه، «هناك أطفال من مناطق مختلفة في بابا عمرو والخالدية وغيرها وصلوا مع أمهاتهم، وهم بدون آباء، يصعب تأمين المعيشة لهم، فهؤلاء معظمهم دمرت منازلهم وأعمالهم. وفي دمشق، هناك صعوبة في تأمينهم ضمن بيوت وشقق، فنعمل على التنسيق مع بعض التنسيقيات وبطريقة غير مباشرة لمساعدتهم».
أبو موسى، رجل سبعيني، يتحدث عن حمص دون الإشارة إلى هروبه منها، «بعد المجازر التي تحصل، بدأت أتخوف من أن تتحول حمص إلى شرارة حرب أهلية مثل لبنان، يبدو أن هناك فئة قليلة تملك هذه البيئة من التعصب، وهي على استعداد للدخول بها».